منتدى الجميع
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الأول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث


عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الأول   السبت أغسطس 23, 2008 8:56 am

كثير من زملائي المهتمين بالسينما يتعجبون – وبشكل ملحٍّ – من مدى عشقي لهذا السينمائي ، الكاتب والمخرج والمنتج السويدي الشهير ، ولأن بيرجمان ليس الوحيد الذي انفرد بتميزه ونبوغه السينمائي حيث تزاحمه كثير من الأسماء اللامعة القادمة من جميع أقطاب الأرض بمختلف ثقافاتها وانتماءاتها ودياناتها وأيديولوجياتها ، إلا أن هذه الشخصية ، بالذات ، تحظى بمكانة رفيعة لدي ، لا توازيها مكانة سينمائي آخر ..



والأمر – بالنسبة لي – ليس تفضيلا أحاديا يعتمد على رؤية نقدية أُرجِّح من خلالها بيرجمان على غيره ، لأنني – بالدرجة الأولى – مجرد مشاهد أُعجَبُ – من السينما – بما يجذبني وما أجده يعبر عني وما أحس بقوته وجماليته ولا أملك الحق النقدي لتفضيل سينمائي على سينمائي آخر ، ولكنها اقرب ما تكون إلى حاجة ملحَّة أجد من خلالها بيرجمان أكثر السينمائيين الذين يستطيعون أن يلفتوا انتباهي وأن يُبْـقُوا على مدى الدهشة التي أقف بها أمام أعمالهم باستمرار .



بيرجمان لديه القدرة الفائقة على سبر أغوار النفس البشرية ، على زعزعة اليقين بالشكوك التي تتطاير من أسئلته الحائرة ، يتمكن من اختراق أعمق المناطق النائية في النفسية البشرية بقدرته على فهمها وفهم تضارباتها ومتضاداتها وشكوكها ويقينها وطبيعتها بشكل عام .



ربما أعشقه لأنه يتمكن من التحدث عن نفسي ، عن شكوكي وما يَـلُجُّ في خاطري ، ولكن بلغته وطريقته ،


ربما لأنه يستطيع أن يطرح الأسئلة التي أبحث عن أجوبتها ويحاول أن يستنبطها من وحي فكره ،


ربما لأنه الأكثر قدرة على تشريح النفس البشرية في أدق حالاتها وأكثرها تعقيدا ،


ربما لأنه يبدع في ما سبق ويتمكن من الوصول بكل شفافية وانسيابية عميقة ودقيقة ومفهومة نحو ما يريد أن يصل إليه ،


بالنسبة لي ، هو المفضَّل ، بغض النظر عن الأفضلية التي تبدو هلامية لا يمكن الحكم عليها.



وفي هذا الموضوع ، سأقدم لمحة سريعة ، مختصرة ، قد لا تفي بحق بيرجمان حيث أنني لست الكاتب المهيأ للتصدي لمثل هذا السينمائي العظيم ، ولكن لمجرد المشاركة فقط ، وليس للنقد أو التحليل ، أضع هذا الموضوع بين يديكم ، محاولا الاختصار وعدم الاسترسال .
















-*-*-*-





مـولده ونشـأته وبداياته :














ولد أرنست إنجمار بيرجمان في 14 يوليو/تموز من العام 1918م ، في مدينة أوبسالا الواقعة في الجزء الشرقي الجنوبي من دولة السويد الاسكندينافية ، ومن المفارقات التي لا يعرفها الكثير أن بيرجمان الثائر المعروف على التقاليد الدينية العتيدة والأفكار الكنسية الثابتة كان أبوه إريك بيرجمان كاهنا لوثريا ، معروفٌ في محيطه محترمٌ من قِـبَلِ جماعته ، علاقة أبيه المتوترة مع والدته أورثت صراعا داخليا كبيرا في بيرجمان ظهر بشكل مفرط في فيلمه ( فاني وأليكساندر ) الذي وثَّق من خلاله – في الخطوط العريضة – طفولته المشوبة بالاضطراب ، ومن خلال أعمال أخرى تلفزيونية أو كتابات أصدرها تحدَّث كثيرا عن مراحل طفولته من خلالها ، أمه تنحدر وبعكس والده من عائلة ناجحة ، يحس بيرجمان بالقرب إليها أكثر من والده ، ويستشعر معها راحة أكبر وطمأنينة أكثر ، تربى بيرجمان على ضوابط صارمة تفرضها التركيبة العامة لعائلته .



درس بيرجمان الأدب والفن في جامعة ستوكهولم العريقة ، إلا أنه اتجه بدافع الفضول نحو المسرح وحوَّل وجهته إلى هناك أكثر من غيره ، على الرغم من كتابته لأكثر من أوبرا ، وعندما تخرج منها انضم إلى مسرح ستوكهولم ليصنَّف كمخرج متدرب ، وفي تلك الفترة نشأت بينه وبين عائلته مشاكل عديدة بسبب علاقته بزميلة له وهو الأمر الذي عارضه والده لما له من خرق للتعاليم الدينية ، وهو ما أدى ببيرجمان للنزوح عن عائلته والانقطاع عنهم مدة تفوق الأربع سنوات ، وحينها قدم عديدا من الأعمال وكتب بعضا من السيناريوهات السينمائية ، وأهمها السيناريو الذي قام بكتابته لفيلم Hets عام 1944 والذي تولى عملية إخراجه المخرج السويدي المرموق Alf Sjöberg وفاز بجائزة في مهرجان كان السينمائي ، وفي ذات العام وفي سن السادسة والعشرين تحديدا أصبح بيرجمان رسميا أصغر مدير لمسرحٍ قوميٍّ في أوربا ، وهو مسرح مدينة هلسينبورغ ، وتنقل بعدها في أكثر من مسرحٍ قومي في السويد حتى تولى منصب مدير المسرح الدرامي الملكي من عام 1963 وحتى 1966 .



وفي أثناء ذلك تزامن مع بروزه في المجال المسرحي بداية دخوله في عالم السينما كمخرج وكاتب وليس مجرد كاتب فقط ، وذلك عبر فيلمه Kris في العام 1946 ، أتبعها بعديد من التجارب السينمائية – إن صح التعبير – حتى صقلت موهبته وارتفع ذوقه وحسه السينمائي إلى أن قدم فيلمه Summer with Monika في العام 1953 والذي أبرزه كثيرا في الشارع السويدي كواحد من السينمائيين المثيرين للاهتمام ، وما إن أعقبها برائعته الشهيرة Smiles of a Summer Night في العام 1955 التي انطلقت به نحو مشارف العالمية حينما ترشح فيلمه لثلاثة جوائز في البافتا وفاز بجائزة في كان وترشح فيه للنخلة الذهبية ، هذا الفيلم كان محطة انطلاقه ، وما إن رسا على هذا الطريق حتى فجَّر في العام 1957 قنبلتين سينمائيتين من العيار الثقيل ، وهما تحفتاه The Seventh Seal و Wild Strawberries ، منذ تلك اللحظة التي أعقبت خروجهما أصبح بيرجمان رسميا سينمائيا عالميا له متابعون ومعجبون ، أتبعها بنجاحات عديدة في مهرجانات عريقة وأصبح واحدا من أهم صناع الأفلام السينمائية في العالم .




وفي العام 1964 أصيب بيرجمان بمرض مزمن جرَّاء رحلة قام بها أفراد المسرح الملكي لمدينة Orebros لافتتاح مسرح جديد في تلك المدينة ، هذه الرحلة سببت لبيرجمان مرضا حادا عانى منه كثيرا واضطره للدخول إلى المستشفى لمدة سنة كاملة ، أصابه هذا الخمول السريري البليد بما يشبه الأزمة النفسية ، وهو أمر طبيعي لشخص فعَّال مثل بيرجمان ، وهناك قام بكتابة سيناريوه لفيلم ( الشخصية ) ، وهو أمر يتضح جليا حيث يبدو أن واقع بيرجمان كان حاضرا ببعض جزئياته في السيناريو .




وفي العام 1976 تم توجيه القبض على بيرجمان من قبل الدولة بتهمة التلاعب في الضرائب ، وحينها أصيب بيرجمان بانهيار عصبي مفاجئ أدخل على إثره إلى مصحة نفسية ، وبعد خروجه مباشرة غادر السويد متجها إلى ميونيخ ، محتجا بذلك على هذه التهم ورافضا النكوص لها ، وهناك أخرج بعضا من الأعمال السينمائية و التلفزيونية وأدار أحد المسارح الألمانية ، وفيما بعد تم إسقاط التهم وعاد من ميونيخ إلى دياره في العام 1982 ، ويقول في مقابلة أجراها أن هذا الابتعاد الجزئي منحه وقتا للراحة الذاتية ، للتفكير ، وجعلته يعيد ترتيب حياته وتحديد قيمه من جديد ، حيث منحته وقتا لذلك .



وعندما عاد قدَّم تحفته الشهيرة ( فاني وأليكساندر ) التي كانت مقتبسة من طفولته الشخصية ، على شكل حلقات تلفزيونية لصالح التلفزيون السويدي ، وبعده قام باقتطاع جزء منها وأخرجه كفيلم سينمائيٍّ مستقل كآخر فيلم سينمائي يقوم بإخراجه ، ليتفرع تماما للمسرح وتقديم ثلة من الأفلام التلفزيونية وكتابة بعض من السيناريوهات لغيره من المخرجين .




وعلى الرغم من أن سمعة بيرجمان قد علت في العالم ككاتب ومخرج سينمائي ، إلا أنه يُعدُّ أيضا واحدا من أهم المسرحيين السويديين على مدى تاريخه العريض والعريق ، حيث أن المسرح السويدي يعد واحدا من أهم المسارح الأوربية وأكثرها قوة وتأثيرا وخرَّج من الأسماء المؤثرة ما كان سببا رئيسيا في تطور المسرح الأوربي عموما ، المسرح الذي أنجب السويدي أوجست سترينبرغ أحد الآباء الروحيين للمسرح الحديث ، وقد كان له على بيرجمان تأثير كبير حتى أن رسالته الجامعية كانت مركزة على دراسة منهجية سترينبرغ .


ولذلك يصف بيرجمان في أحد كتبه وصفا لماحا فيقول أن ( السينما أشبه بعشيقته المثيرة ، إلا أن المسرح يظل زوجته الوفية ) ، تشبيه غريب نوعا ما !! ، ولكنه يوصل الرسالة التي يقصدها ، ولذلك فإن بيرجمان كانت أولى بداياته منبثقة من المسرح ، وإليه عاد بعد نهاية مشواره السينمائي ( تحديدا بعد فاني وأليكساندر ) ،


ولذلك يقول عن عودته للمسرح : ( إنه الإسطبل المناسب لحصان مُتْـعَبٍ مثلي )




رفض بيرجمان كثيرا من العروض الهوليوودية التي اعتادت استقطاب السينمائيين البارزين كما استقطبت الألمانيَّين فريتز لانج وموراي ، أو العروض الأوربية القادمة من دول تتميز بحركة سينمائية أنشط وأوسع ، إلا أن بيرجمان كان يمتلك نظرة مختلفة عن السينما ، نظرة أكثر عمقا وتفهما ، يراها انعكاسا للفن ، والفن نتاج ذاتي ، وبالتالي فالذهاب إلى دولة مختلفة تحت ظروف إنتاجية متقلبة قد تشوب هذه الذاتية بما تفرضه العوامل الخارجية ، مثله في ذلك مثل كثير من السينمائيين ، ولذلك فإن إخلاص بيرجمان لفنه وحبه الشديد له بِشِـقَّـيْهِ الاثنين السينمائي والمسرحي لهو أمر مثير للاهتمام ، حيث يبدو – لمن يركز في مشواره الفني – أن حياته ككل تدور في هذا المحيط ، فقد انكب على تأليف وإخراج الأعمال المسرحية في شبابه بنهم شديد ومثير للانتباه حتى أصبح أصغر مدير مسرحي في أوروبا حينها على الرغم من غزارة المسرح السويدي وعراقته وكثرة كوادره ومهارتهم ، وقدَّم ما يقارب الستة والستين عملا سينمائيا وهو عدد كبير للغاية ، كاتبا ومخرجا وأحيانا منتجا ، كلها في فترة قياسية ،


ولذلك فإن سبيلبرغ يصف ذات مرة إعجابه ببيرجمان فيقول ( إن حبه الشديد للسينما وإخلاصه لها يصيبني بالخجل ) .




أما على صعيد التأليف ، فقد قام بيرجمان بتأليف كتابين اثنين يتكلم فيهما عن حياته الشخصية والسينمائية وعن أعماله عموما ،


الكتاب الأول هو ( المصباح السحري ) .


والكتاب الثاني هو ( صور : حياتي في الأفلام ) ، وهو عبارة عن مذكراته الخاصة .







-*-*-*-





وفاته :










لا أعلم حقيقة ، هل أنا نحس أم ماذا ؟


فكرت في هذا الموضوع قبل وفاته بمدة طويلة ، وعندما شرعت في الكتابة لم يمر أسبوع واحد حتى جاء خبر وفاته مُكلِّـلا الوسط السينمائي ( الأصيل ) والمسرح العالمي والسويدي بقلائد الحزن ، وضاربا أطنابه مغروسة في باطنهما ،



أحسست بحرقة مريرة ، ليس لفقد بيرجمان السينمائي ، فذلك شخص افتقدناه منذ الثمانينيات عدى رجعة خاطفة في ( ساراباند ) ،


ولكن لفقد بيرجمان الإنسان ،


بيرجمان الذي كان انعكاسا لذلك الإنسان ، المشتت ، الضائع ، الخائف ، المتشكك ، الإنسان الذي لطالما قدمه في أفلامه ، وكأنه ورقة تتطاير في فضاء شاسع تتلقفها الأيدي وتتلاعب بها الرياح وتذبلها السنوات ،


الإنسان الذي لطالما تساءل عن الموت ، بشكٍّ تملؤه حيرة الخائف ، وخوف تغلفه ظنون الشك ،


ذلك الإنسان ، لم يكن إلا بيرجمان ،


وها هو الآن بعيدا عن خشبة المسرح أو عن وريقات السيناريو أو عن كرسي المخرج يواجه أعظم شكوكه : الموت ، الإيمان الرباني ، الخلود الروحي ، ويا لها من مواجهة !!




لا أعلم حقيقة كيف أصف شعوري ، فأنا أتكلم عن شخص ألهمني على الصعيد الشخصي ، وعلى الصعيد السينمائي ،


شخص سأظل أتذكره بعيدا عن فروقات الانتماءات والتوجهات واحدا من أعظم من أقف لفنهم وإبداعهم إجلال واحتراما وتقديرا .




الآن حلِّق ،


فلقد حان وقت الرحيل .





-*-*-*-



بيرجمان الكاتب .... بيرجمان المخرج :











لو أردت الاختيار بين بيرجمان الكاتب وبين بيرجمان المخرج ، لما تمكنت من الاختيار ، والسبب ليس في تفاضلهما ،

حيث أن العبقرية الحقيقية التي يمتلكها بيرجمان كامنة في سيناريوهاته أولا وقبل كل شيء ، وهو أمر لا يستدعي الجدل ، إنها سيناريوهات ذات طبيعة خاصة للغاية ، منفردة بشكل عجيب لا تماثلها سيناريوهات أخرى في طبيعتها وتركيبتها وسردياتها وثيماتها ، فهي تحمل البصمة الأساسية لبيرجمان ، حيث الفلسفية التي يتناول من خلالها محاوره المعتادة ويطرح من خلالها شكوكه ومخاوفه وأفكاره مدعَّمة بالرمزيات والإيحاءات والإسقاطات ، وحواراته النفسية العميقة التي يقدم من خلالها شخصياته المعقدة ، والتركيز الشديد على الأزمات الروحانية والمعضلات الإيمانية وعلى الإنسان ككائن حي يحمل في جعبته كثيرا من التضاربات والصراعات الداخلية التي تتعارض مع ما يواجهه ،

كوروساوا كمثال ، مخرج من الطراز الأول ، ابتكر كثيرا من الأساليب الإخراجية التي لازال يغرف من معينها مخرجوا اليوم ، مما يجعله أمهر في الجانب الإخراجي من بيرجمان ، ونفس الأمر ينطبق على مخرجين مثل ويلز وبونويل وفيلليني وهيتشوك وكوبريك وتاركوفيسكي وأنجلوبليس ، هؤلاء مخرجون من الطراز الأول ، كل واحد منهم خلق لنفسه أسلوبا خاصا يميزه عن غيره إخراجيا ، يعتمد بونويل على الإسقاطات النفسية والسريالية كثيرا ، فيلليني ابتكر لنفسه طريقا جديدا أصبح يُطلق عليه الفيللينية ، هيتشوك يعتمد على تدعيم الإثارة والتشويق المتقن ، كوبريك يخلق رؤية شديدة الخصوصية برمزيتها وغرابتها وقوتها ، تاركوفيسكي يجعل من أفلامه أحلاما لا يبدو أن لها نهاية تصبو إليها ، أنجلوبليس تبدو أفلامه كقطعة شاعرية رمزية هادئة ،

بيرجمان ليس كهؤلاء ، إنه مختلف بشكل كبير ، لك أن تفكر في بيرجمان كمشروعٍ مقسَّم بين طبيعته ككاتب وكمخرج ، وبالتالي فإنه من الضروري أن يمتزج هذان العنصران مع بعضهما ليخرج الفيلم كما يجب أن يكون ، بيرجمانيا ،

ولذلك فإن من يدقق في مسيرة بيرجمان مليا يكتشف حقيقة طردية ، جميع أفلامه التي تعتبر أيقونات ثابتة في مسيرته الفنية كانت من كتابته وحده ، أما الأفلام التي قام بإخراجها مقتبسة من سيناريوهات غيره لم يتمكن من الارتقاء بأيٍّ منها نحو مراتب أيقوناته التي قام بكتابتها ، ومن يشاهد فيلمان أحدهما قام بكتابته ( لنقل الختم السابع ) وآخر لم يكتبه (عذراء الربيع مثلا) يكتشف أن هنالك فرقا شاسعا بين الاثنين ، ربما تتفق في الأفكار عموما ولكنها تختلف في الأسلوب والروح والطريقة في الطرح والسرد ،

ففي اعتقادي ، أن بيرجمان لا يمكن أن نُشرِّحه بفصل مجاله ككاتب ومخرج ، حيث أنهما كما قلت يمثلان مشروعا يحقق اللمسة البيرجمانية التي تميزِّه كسينمائي .

الفرنسي روبرت بريسون مشابه بشكل كبير لبيرجمان في هذه النقطة تحديدا ، حيث تتميز سينماه بأسلوب شديد الخصوصية ، وتناغم بين كتاباته وعملية إخراجه .

الأمريكي الفذ وودي آلن ، يشبه بيرجمان أيضا في هذه النقطة تحديدا ، مع اعتبار الفوارق بالطبع ، وبيرجمان يعد أحد أهم المؤثرين في مسيرة آلن الفنية حيث يعتبره واحدا من الأساطين الذين يحتذي بهم وبأفلامهم ولذلك قدم ثلاثة أفلام متأثرة بثلاثة أفلام لبيرجمان ، كنوع من تقديم الاحترام ولكن بطريقة مميزة .







-*-*-*-



سينمـــا بيرجمــان :






















قبل كل شيء ، يجب أن نعرف أن سينما بيرجمان عبارة عن سينما هادئة إلى أبعد الحدود ، أقصد في جانبها الشكلي ، وإلا فإنها صاخبة في شخصياتها وتضارب مشاعرها وأحاسيسها وفلسفياتها ، كما أنها سوداوية إلى حد كبير ، وهذه السوداوية عائدة لكون بيرجمان في حد ذاته شخص سوداوي ينظر إلى الأمور دائما من زوايا معقدة ومشوشة ، يشك دائما ولا يؤمن إلا قليلا ،


ولذلك ، فإن من أهم الأشياء التي يجب اعتبارها حين مشاهدة سينما بيرجمان ، أنها سينما ذاتية إلى أبعد الحدود ، تأملية بشكل كبير تغلب عليها النزعة الفكرية والفلسفية ، وتعتمد على تحليل شخصياتها تحليلا نفسيا دقيقا وإطلاق الإسقاطات والرمزيات ، أفلام لا تُـفهم جماليتها وروعتها في كافة مستوياتها إلا إذا عايشتها وكأنك جزء منها وحاولت استيعاب ما تقدمه وما تطرحه ، عليك أن تشاهد الفيلم وان تنغمس في شخصياته وان تحاول أن تضعهم على طاولة التشريح كما يفعل الفيلم ، لكي تتمكن من فهمها وفهم ما يريد الفيلم أن يصل إليه ، غير ذلك فإنك ستشاهد فيلما مملا مليئا بالحوارات والتركيز الشديد على الشخصيات والبطء في التنقل بين المشاهد وغياب عنصر الإثارة فيها ، فهي سينما تأملية ، فكرية ، إنسانية .



نظرة بيرجمان للسينما نظرة مختلفة عن كثير ممن هم غيره ، نظرة تتحكم بدورها بأسلوبه الفني في أفلامه ، إنه لا يتعامل مع السينما على اعتبارها الفني فقط ، ورغم إقراره بعظمتها في جانبها الفني البحت إلا أنه يتعامل معها كفنٍّ يجعله مجال بحثه عن كل ما هو روحاني وإيماني وإنساني : الله ، الدين ، الإنسان بكل ما يضمره ويُكنُّه ويتعايش معه ، المشاعر الإنسانية بكافة أشكالها ، المفهوم العميق الإنساني للحياة ، المفهوم العميق الفلسفي والإيماني للموت ، كل هذه المواضيع يجعل من السينما وسيلته للبحث فيها ومحاولة فك شفراتها والتوصل إلى فهمها ، وقليل من السينمائيين من يلتزمون بمثل هذا المفهوم ، سينمائيون مثل تاركوفيسكي وبريسون وأنجلوبليس ، السينما لديهم – قبل أن تكون فنا – وسيلةٌ للبحث ، ثم البحث ، ثم البحث ، عن كل ما يستتر خلف ستار الظاهر ويتوارى خلف الظواهر الطبيعية .


يقول تاركوفيسكي في كتابه النحت في الزمن عن مجموعة من الأسماء الفنية العظيمة :
( .... وسوف تدرك أية طاقة عاطفية هائلة حملها هؤلاء الأشخاص البارزون ، الذين يحلقون فوق الأرض ، والذين لا يظهر فيهم الفنان كمستكشف للحياة فحسب ، إنما أيضا كمبدع للكنوز الروحية العظيمة ، وخالق للجمال الخاص الذي ينتسب للشعر فقط ، فنان كهذا يستطيع أن يتبين خطوط التصميم الشعري للوجود ، وهو قادر على تخطي قيود المنطق المتماسك ، وكشف التعقيد العميق وحقيقة الروابط غير المحسوسة وظواهر الحياة المخفية )
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث


عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الأول   السبت أغسطس 23, 2008 8:57 am

لا يمكن الحديث عن بيرجمان – كشخصٍ أو كسينمائيٍّ – بدون التطرق إلى الثيمة الأساسية في أفلامه : الدين ، الدين بمعناه الإيماني ( ثبوتية الألوهية الربانية ) ، أو بمعناه التشريعي ( الديانة النصرانية عموما والمذهب اللوثري خصوصا ) ، تربى بيرجمان في بيئة دينية قاسية ، يُعاقَـبُ على أصغر أخطائه على الرغم من صغر سنه وركاكة عقله ، منذ صغره أحس باضطهاد أبيه متمثلا في ذلك الراهب ، وفي ذلك الدين ، ذلك الإحساس الروحاني المزعوم الذي يجر إلى العذاب الذاتي ، هذه العلاقة المتوترة بينه وبين أبيه منحته القدرة على النظر إلى الدين ليس على اعتبار أنه فرض واجب يكفر من خرج عن أطره ، بل تمكن من النظر إليه كموضوع مجرد ، كإيمان قابل للأخذ والرد ، فبيرجمان فقد إيمانه – كما يصف ذات مرة – منذ أن كان في الثامنة من عمره ، ولكنه لم يتيقَّن من ذلك إلا أثناء إخراجه لسلسلته الثلاثية ( فقدان الإيمان ) وهي Through Glass Darkly A ، Winter Light ، The Silence ، إلا أنه – حقيقة – لم ينسلخ تماما من رواسبه ، حيث ظل يراه من زاوية مختلفة عن غيره ، لا يحاربه كما يظن البعض ولا يؤمن به أيضا ، فالمسألة بالنسبة له ليست إيمانا أو كفرا ، بل يعتبره كفلسفة روحانية لا يفهمها ، يؤمن بها البعض إيمانا حقيقيا يدفعهم إلى التصديق والطمأنينة والركون إلى الحياة والرغبة في الآخرة ، ولذلك فهو يغبطهم ويظهرهم بمظهر الأناس الهادئين المؤمنين الذين يواجهون مخاوفهم ببساطة إيمانهم وإنسانيتهم ، وربما يصفهم بذلك كالسفهاء ، تشاهد ذلك في شخصية إيفا في سوناتا الخريف و آجنس والخادمة في صيحات وهمسات وعائلة الممثلين المسرحيين في الختم السابع وأفراد العائلة في عذراء الربيع ، يظهر ذلك جليا في أفلامه سواء قصد ذلك أم لم يقصده .


كما يُبرز – دائما – في أفلامه أن أقرب الأشخاص من الله وأكثرهم تعلقا به وثقة بعدله وحكمه هم من يتعذبون ويعانون أكثر وأشد من غيرهم !!


تشاهد ذلك في الأخت المحتضرة آجنس في ( صيحات وهمسات ) التي لا تستطيع أن تتذكر من حياتها كلها سوى لمحة بسيطة تمر عليها عندما كانت في الحديقة مع أخواتها في لحظة نقاء وصفاء ، لحظة عابرة تكفيها أن تشكر الله على كل لحظة عاشتها في حياتها على الرغم من كل ما أصابها ، والخادمة في نفس الفيلم كذلك لم تنسى مع وفاة ابنتها وحرقتها أن تصلي لربها وأن تشكره على نعمه ؟! ،


وفي ( الختم السابع ) نشاهد شخصية الفارس الذي ألقى بنفسه إلى الهلاك طوال عشر سنوات كجهاد خالص لربه لينتهي الحال به في وضع نفسي مأساوي مزري ، وكذلك زوجته التي على الرغم من فراقها لزوجها ووحدتها القاتلة وخطر الطاعون الذي يحيط بها لم تنسى الصلاة لربها وشكره على نعمه السابغة ،
والابنة وزوجها الراهب في ( سوناتا الخريف ) اللذان فقدا ابنهما غرقا وأحدث ذلك فجوة في حياتهما لم تُردم أبدا على الرغم من تدينهما وبساطتهما ،


ومعاناة كارين في ( من خلال زجاج معتم ) حينما تعيش وَهْمَ مرضها وهلوستها من خلال إيمانها العميق ، وكارين العذراء وعائلتها في ( عذراء الربيع ) ،


في أفلامه ، تظهر الشخصيات المؤمنة الراسخة في إيمانها دائما في أوضاع حياتية أو نفسية حرجة ، أو تقبع في ديجور مصائبها ومآسيها ، وكأن بيرجمان يريد القول أن هؤلاء الناس يؤمنون إيمانا قويا مؤثرا ، بَـيْدَ أنه "أعمى" ، لا يريدون التشكيك ولو مجرد التفكير بحقيقة ما يؤمنون به ، قدسيته المبجلة وروحانيته المختلقة الخادعة تمنعهم من الاستبصار ، وتجبرهم على تحويل كل مصيبة أو أزمة حياتية إلى اختبار إيماني عميق ، بيرجمان لا يُحقِّـر إيمانهم ولا يستهزئ بالتزامهم ولا يترفَّع على أفكارهم ، بل يتعجب من تمسكهم في ظل أحلك ظروفهم وأشدها ضيقا وأقواها باعثا على انفلاتهم من أشراك إيمانهم وتساؤلهم عن حقيقة ما يؤمنون به .


ويقرر بيرجمان في كتاب المقابلة الشهيرة ( بيرجمان في بيرجمان ) أن فيلم ( الصمت ) الذي قام بإخراجه في عام 1963 كان يمثِّل نهاية مرحلة في أفلامه حينما كانت الشكوك والأسئلة الدينية جزء رئيسيا منها ، وعندما نتأمل ذلك فإنه يتضح جليا أنه ومع نهاية السلسلة السالف ذكرها ( مع اعتبار الاختلاف إن كانت سلسلة أم لا ) أن القلق الإيماني حول موضوع الدين لم يعد جزء رئيسيا في أفلامه كما كان قبلها ، أي نعم ؛ لا زال موجودا وحاضرا بشكوكه وتساؤلاته ، ولكنه لم يعد الحجر الأساس الذي يقوم عليه الفيلم .


ولذلك نلاحظ أن بيرجمان اتجه حينها نحو مواضيع مختلفة لم نكن نراها في أفلامه السابقة ، فكتب وأخرج فيلما حربيا دراميا ( العار ) ، وكذلك كتب وأخرج فيلم رعب درامي ( ساعة الذئاب ) ، وكتب وأخرج فيلما سرياليا نفسيا بحتا ( الشخصية ) ، وكتب وأخرج السلسلة التلفزيونية التي تحولت إلى فيلم سينمائي حول مشكلات الزواج ( مشاهد من الزواج ) ، ولكنه حافظ في كل الأفلام السابقة على الصبغة الفلسفية التأملية .


بيرجمان يعتمد كثيمةٍ أساسيةٍ في كل أفلامه على الإنسان ، ويُبسِّط معالجته مركَّزة على ذاتيته ، الإنسان الذي من خلاله يطرح الأسئلة الشائكة وينثر شكوكه ويشكك في يقينه مبحرا في ذاتيته الغامضة وسابرا أغواره السحيقة ومشرِّحا له في كل مراتبه ، لك أن تتخيل مشاهدة فيلم واحد لبيرجمان كرحلة في العمق النفسي للإنسان بكل ما تضمره خبايا النفس البشرية ، تمر فيها على كل ما يختلج فيه ، ويصل بك إلى مناطق سحيقة في داخله قد يخشى هو بذاته أن يكشف عنها حيث تبدو له موحشة وقاتمة ومعقدة ومهشَّمة ومضطربة ، تعكس في كثير من صورها حقيقة واقعه الذي يحيط به أو ماضيه الذي ترسب فيه ، كلها توضع على طاولة الفيلم لكي يشرِّحها بيرجمان تشريحا دقيقا تتمكن من خلاله رؤية تلك الأشياء الغامضة المتوارية خلف ستار الظاهر الزائف كصور متتابعة وشخصيات تظهر لك عيانا كجزء من معالجته التشريحية له ، مما يجعلك تقترب كثيرا من الإنسان الذي يقدمه لك بيرجمان ، لأنك – رغم تعقيداته – ستتمكن من فهمه ، أو على الأقل ستقترب .


ولذلك فإن بيرجمان يختار لأفلامه غالبا شخصيات محطمة ، قد لا تكون محطَّمة بأحزانها وآلامها وتجاربها القاسية ، ولكن ربما لأنها محطمة جرَّاء شكوكها وضياعها واضطرابها ، أي أنها محطَّمة ولكن بطريقتها ، هذه الشخصيات تجذب بيرجمان – كما جذبت غيره من عباقرة الأدب عموما – لما لها من جاذبية الغموض الذي تفرضه متناقضاتها ودواخلها التي تبدو غاية في الوحشة والسوداوية ، إن هذه الشخصيات تبدو معقدة لأن ما تحمله في داخلها يتنافى مع المفهوم البسيط للإنسان ، المفهوم البسيط للحياة ، وهو المفهوم الذي لا نشاهده أبدا في أفلام بيرجمان الذي يبحث دائما عن المفهوم الغامض والمعقد للحياة وللإنسان .


ولأن بيرجمان يعتمد على الإنسان كمحور أساسي في أفلامه ، فإنه لا بد أن يتعرض لهذا الإنسان في أدق مكنوناته الداخلية : الحب ، البغض ، الخوف ، الحنين ، الجمود ، الوحدة .... ، وطبائعه وصفاته الشخصية : الطيبة ، الحقد ، الرعونة ، القسوة .... ، كما أنه يعشق المعضلات والأزمات التي يواجهها : الأزمات العاطفية ، التقلبات الشخصية ، المواجهات الأخلاقية ، الشكوك الإيمانية .



وعندما يقدم بيرجمان هذا الإنسان فإنه يعتمد كثيرا على الوجه ، تفاصيله وتداعياته وتعبيراته ، كلغة مساعدة ومعبرة عن الأزمة ، يتمكن من خلالها إيصال ما يُكنُّه الفرد من خواطر تختلج في داخله ، فالوجه الإنساني أفضل من يستطيع أن يصل بالمعنى أبلغ من مرصوف الكلمات وغزير العبارات ، فكل شيء قابع في تعابيره وانفعالاته ،


يقول بيرجمان ( الكثير من المخرجين ينسون بأن عملنا في السينما يبدأ مع الوجه البشري ، بإمكاننا طبعاً الاستغراق كلياً في جماليات المونتاج ، وتصوير الأشياء والطبيعة الصامتة في إيقاع رائع ، وإضفاء جمال مذهل على تأملاتنا في الطبيعية ... لكن الاقتراب من الوجه البشري هو بلا شك الخاصية المميزة للفيلم )
بيرجمان يرى من خلال أفلامه أن وجه الشخصية قادر على تقديم التفسيرات الشعورية ، حيث أن تجاوبه الصادق يورث تغيرا كبيرا في ملامحه وانفعالاته نتيجة تفاعل مشاعره ، وبالتالي فإنك تتمكن من خلاله أن تستقي ما تريد ، ما يضمره ، ما يشعر به ، حبه ، غضبه ، ألمه ، حزنه ، شهوته ، كلها قابعة في تقاسيم وجهه ،


وكما يقول الناقد أيمن صالح في كتابه الوجه والظل في التمثيل السينمائي :
( من بين كل الأسطح ، أو المظاهر الخارجية ، الوجه هو الأكثر تعبيرية . إنه مرآة تكشف وتفشي الكثير ، وبما أن الوجه يعكس أفكاراً ومشاعر ، فإنه ليس مجرد سطح بل سطح عاكس ، بالتالي فإن الوجوه - في الفيلم - هي بالتأكيد الأكثر قيمةً ، معرفياً ، من الأسطح الأخرى على الشاشة – الأشياء ، المناظر ، وغيرها – والتي لا يمكن أن تكون إلا نفسها ) أي أن الوجه يمثل الانعكاس لما يكنه الإنسان – الشخصية في الفيلم – ، وهذا الانعكاس لا تستطيع غيره من العناصر السينمائية المختلفة والمتعددة أن تظهره بذات القوة التعبيرية التي يتمكن الوجه من إظهاره .


ولذلك فإن بيرجمان يعتمد على الكلوس أب كثيرا ( تقريب الصورة من وجه الشخصية ) ، و الكلوس أب فن تصويري دقيق ، يحتاج إلى الدقة والقدرة على اختيار الزاوية المناسبة والإضاءة التي تتمكن من إظهار ملامح الوجه متناسقة مع الظل والممثل القادر على تجسيد انفعالاته بصدق وتلقائية واهم من ذلك أن تكون متماشية مع تفاعل المشهد ككل ، فمثلا في كثير من الأفلام والمسلسلات العربية يبرز الكلوس أب كأحد أبرز عيوبها حيث يختار المخرج أوقاتا لا يتناسب فيها الكلوس أب مع طبيعة المشهد أو تفاعلات الشخصية لتراه يستخدمه في مشهد حوار عادي وخلاف ذلك ، ففي فيلم الشخصية لبيرجمان نلاحظ أن الكلوس أب له وضعياته المختلفة ، فأحيانا يجيء بشكل شاعري ، كمشهد استماع إليزابيت للراديو مع خفوت الضوء تدريجيا بشكل شاعري حزين إلى أبعد الحدود ، وأحيانا يجيء بطريقة تبرز مكنونات الشخصية سواء كان حزينا ومرتبكا كمشهد المحادثة بينهما عن طفلها أو غامضا وشهوانيا كالكلوس أب على وجه إليزابيت عندما تتحدث ألما عن مغامرتها في الشاطئ ( بالذات اللقطة الجانبية ) ، وأحيانا يجيء بشكل يثير الغموض كمشهد الحلم حينما يركز على الشخصيتين في جو غامض وتسلسل صوري سريالي ، ولذلك فإن بيرجمان يمتلك القدرة والموهبة المدهشة في كيفية استخدام هذا النوع من التصوير ، ولذلك تصرح الممثلة بيبي أندرسون في أحد لقاءاتها أن هذا التصوير يُعد من أكثر أنواع التصوير قلقا بالنسبة للممثل حيث يجعله وكأنه في محاكمة صامتة يجب أن ينطق فيها بملامحه فقط ، ولكنها تُثَـنِّي على ذلك بأن بيرجمان كان يمتلك القدرة دائما على بعث روح الطمأنينة فيهم بسبب معرفتهم المسبقة بأن هذا الكلوس أب سيجيء مناسبا ومعبرا ومتقنا من نواحيه التصويرية البحتة أو بإيحاءاته الضمنية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث


عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الأول   السبت أغسطس 23, 2008 8:58 am

وهو يقودنا إلى عنصر أساسي في أفلام بيرجمان ، وهو أداءات الممثلين ،
حيث أن وظيفة الممثل عموما أن ينقل الشخصية بكل ما تحمله من صفات شخصية وعاطفية وشعورية ، يجب أن يتلبَّسها وأن يُقنعنا بها ، ليس بلغة الجسم فقط ( الحركات ، الأصوات ، النظرات ) ، وإنما بلغة العاطفة والمعايشة أيضا ، يجب أن يذهب في أدائه أبعد من اللغة الجسدية التفاعلية المعتمدة على استجابة الحركة إلى محاولة الإحاطة العميقة والدقيقة بمشاعر الشخصية واستجابتها الذهنية لما يحيط بها ويحدث لها ، وإلا فإن الممثل حينها سيقدم الشخصية بشكل مغلوط ، متهالك ، متكلف ، لا يعبر عن حقيقتها وعمقها .


وبيرجمان من أفضل المخرجين الذين يستطيعون أن يستخرجوا من ممثليهم ذلك النوع الدقيق العميق من التمثيل السينمائي ، وهو في ذلك يعتمد على أمور عديدة ، منها :
أنه لا يمنح تفسيرات للممثل ، بمعنى أن الممثل لا يكون محيطا بحقيقة ما يحدث في الفيلم تماما ، مما يجعله يقوم بالشخصية من غير معرفة ما قد يحدث لها ، وهو الأمر الذي يجعله يتفاعل بشكل أكبر ، حيث أن الإحاطة بما سيحدث لشخصيته يسلب منه – كما يعبر بعض المخرجين – التلقائية التي تقترب بالأداء نحو الواقعية الحقيقية لشخصيته .


و لذلك نجد الممثلة ليف أولمان تقول عن فيلم ساعة الذئاب ( نقلا عن أمين صالح في الوجه والظل ) :
(لم أفهم الفيلم أثناء تصويره !، لكن بعد أن شاهدته وهو مركّب ومكتمل ؛ أظن أنني قد فهمته . أذكر أني سألت بيرجمان عما إذا كان الأشخاص الذين يراهم زوجي حقيقيين أم متخيلين ؛ فقال لي: ما الذي تعتقدينه؟ ... أظن أنه كان مفيداً بالنسبة لي ألا أفهم ما كان يحدث ؛ لأن ذلك يناسب الشخصية ، الفيلم ليس مرئياً من وجهة نظر الزوج فقط بل من وصف الزوجة له ومن قراءتها ليومياته )


يقول تاركوفيسكي في " النحت في الزمن " :
( بيرجمان لا يسمح أبدا لممثليه أن يكونوا فوق الوضع الذي فيه يتم تعيين الشخصيات ، ولهذا السبب هو يحرز نتائج ممتازة . في السينما ، يتعين على المخرج أن ينفخ الحياة في الممثل لا أن يجعل منه ناطقا باسمه و ينقل أفكاره )


ومنها أيضا :
أنه يخلق جوا حميميا بينه وبينهم ، وهو أمر أشار إليه كثيرا ، وهذه الحميمية عائدة – في الأصل – لكونه يتعامل مع طاقم يعتمد عليهم دائما في أغلب أفلامه ويراوح فيما بينهم ، وهذا أيضا أحد الأسباب التي تُمكِّنه من استخراج أفضل الأداءات ، حيث أن عمله المستمر معهم مكَّنه من فهمهم ومكَّنهم – بدورهم – من فهمه ، وعلى الرغم من أن بيرجمان يبدو في كثير من أفلامه غامضا معهم حيث نلاحظ ذلك كثيرا في تصريحاتهم ( مقولة أولمان السابقة أحد هذه التصريحات ) ، إلا أنهم يثقون ببيرجمان وبتوجيهاته ، ولذلك نجد أن أداء ممثليه معه مختلف تماما عن أدائهم مع غيره ، ولك أن تشاهد تجارب ليف أولمان في هوليوود وكذلك ماكس فون سيدو وتجارب إرلاند جوزيفسن مع تاركوفيسكي .


واعتماد بيرجمان الكلي في أفلامه على الإنسان بحد ذاته يقودنا نحو المواضيع الأساسية التي يجعل من الإنسان مسرحا لمناقشتها ومنها :


الموت ...


الذي يُعد واحدا من أهم الموضوعات التي يتجاذبها بيرجمان ، والتي لا يخلو – تقريبا – أي فيلم من الإشارة إليه ، وأصبح رمزا يُعبِّر عن سينما بيرجمان عموما .


وعندما يتحدث بيرجمان عن الموت ، فإنه ينوِّع من الجوانب التي يناقشها من خلاله ، وعندما نشاهد أغلب أفلامه نلاحظ التركيز على جانبين :


الجانب الإيماني ،
الجانب الواقعي أو الإنساني ،


وهما بلا شك جوانب متداخلة تشترك في كثير من خصائص بعضهما ، ولكنها تتميز عن بعضها بكونها الأكثر تركيزا في فيلم معين دون الآخر ،


الإيماني ، حينما يتناول الموت من مفهومه الإيماني البحت ، حقيقة الموت في الدين ، الآخرة ، الإيمان بالله والحياة بعد الموت ، الجنة والنار ، الحساب على الأخطاء والتقصير ، إنه يتناول الموت في هذا الجانب من هذه الناحية ، ويحاول أن يجعل من قضية الموت قنطرة يتمكن من خلالها طرح الأسئلة الإيمانية المتعلقة به ومحاولة استشفاف أجوبة حائرة لها ، ومن أفلامه التي انتهج فيها هذا المنهج :


( الختم السابع ) ، حيث نشاهد قصة فارس صليبي يحاول أن يجد – بعد مواجهته للموت – أجوبة على أسئلته وشكوكه الإيمانية المضطربة ، نشاهد أن الموت سبيل لإعادة صياغة إيمانه ، ومحاولة السيطرة على شكوكه ، أو حتى تأكيدها .



الإنساني أو الواقعي أو الفكري ، حينما يكون الموت مسرحا للتفكر في حقيقة الحياة وفي حقيقة الإنسان ، في حقيقة الموت في جوهره وكيفية تأثيره على ذاتية الإنسان ، وهل هو بالفعل مستقلٌّ بذاته أم أنه مجرد مرحلة تكاملية في تتابعات الحياة ، وفي هذا الجانب ينزع بيرجمان نحو تناول الموت من جوانب فكرية وإنسانية تتعلق بالإنسان وحقيقة الموت في ذاته ، يحاول أن يتقصى أدق المشاعر الإنسانية الواقعية تجاه الموت ويمزج معالجتها برؤية فكرية وشاعرية ، ومن الأفلام التي انتهج فيها هذا المنهج :


التوت البري ، حيث نقف أمام بروفيسور كبير الشأن رفيع القدر ، يقف أمام آخر مشوار له في هذه الحياة وهو الموت ، نشاهد الموت هنا كوسيلة من خلالها يتمكن الإنسان من تحديد قيم حياته ، والعودة إليها من خلال ذكرياته ومحاولة غربلة مفاهيمه ، إن الموت هنا ليس وسيلة من خلالها يريد بيرجمان أن يناقش إيمان الشخصية ، بل ابتعد عن ذلك ، وجعل الموت هنا انعكاسا للجوانب الإنسانية والواقعية والفكرية له .
أيضا ؛ ( صيحات وهمسات ) ، حيث يتَّجه بيرجمان في معالجته للموت جعله انعكاسا شديد الواقعية والجرأة والقسوة للإنسان ، وعلاقاته بمن حوله ، نشاهد امرأة تحتضر ، لا يفصل بينها وبين الموت سوى خطوات قليلة ، محاطة بأختيها وخادمتها المحببة إليها ، الموت هنا يكشف الوجه الحقيقي لشخصية الإنسان ، ويُظهر معدنه الأصيل بعيدا عن الأقنعة والزيف ، ولذلك ينعكس موت الأخت على بقية الشخصيات ، ونشاهد – من خلاله – رحلة في ماضيهم ويكشف لنا حقيقة دواخلهم .



كما أننا نشاهد الموت – في أفلام بيرجمان – من زوايا متعددة ، من زاوية المحتضر الذي ينتظر موته في صيحات وهمسات والتوت البري ، وفي الأشخاص الذين عاشوا تجربة موت أحدهم في سوناتا الخريف وعذراء الربيع ، ومن خلال الذين شاهدوا الموت عشوائيا يضرب الأحياء ضربا في الختم السابع و العار ، إننا نشاهد مفهوم الموت – من جانبه الإيماني أو الإنساني والواقعي – من جميع الزوايا وبكافة الأشكال .


من المعلوم أن بيرجمان يُعدُّ واحدا من أبرز شعراء السينما ، ولأن كثيرا من القراء قد يبدو لهم أن هذا اللفظ أصبح مبتذلا يستخدم في اقل المواضع حاجة لاستخدامه ، ولذلك أنقل ما قاله احد النقاد العرب عن شاعرية السينمائي :


( الارتقاء بمعطيات وظواهر وتفاصيل وموضوعات من مكانها المباشر والأقرب إلى الواقع إلى مديات الأنساق التعبيرية المتصلة بالرموز والدلالات والإحالات التفسيرية المرتبطة باللون والشكل والهيئة والحركة . بمعنى أن المبدع في الفيلم معني بتحميل المشهد الواحد واللقطة الواحدة بإحالات لا تقدم الصورة في دائرتها المعنوية المباشرة ، بل بما بعد الصورة وما بعد التعبير المباشر... وبهذا تنخرط التجربة في تتابع بنائي ينشد شكلا من أشكال التعبير غير مألوف وغير مستهلك )


الشاعرية في السينما ليست مجرد صور متتابعة بالغة الجمال ، وإلا لكان فيلم ( الدمى ) للياباني كيتانو أحد أكثر التحف السينمائية شاعرية ، بل هي روح يتلفَّع بها الفيلم ، روحُ المخرج الذي يتمكن من رصف عناصره السينمائية المتعددة سواء الكتابية ( الحوار ، السرد .... ) أو الشكلية ( التصوير ، المونتاج ، بناء المشهد ، معمارية الصورة ، الصوت .... ) ليُـكَوِّن شكلا نهائيا للفيلم يتمكن من إظهار الروابط الشاعرية للازمة التي يتحدث عنها .


وشاعرية بيرجمان تعتمد على ركنين أساسيين :


الأول : الحوار المتدفق .
يقول بيرجمان: (الحوار مادة حساسة قد تبدي مقاومة ، الحوار مكتوب كأنه نوتة موسيقية غير مفهومة لمن لا يعرف قراءتها . تأويل الحوار يحتاج الى مهارة تقنية ، يضاف إليها خيال من نوع آخر ، وعاطفة ، بالإمكان كتابة الحوار ، لكن كيف يجب أن يكون ملفوظاً ، بأي إيقاع وسرعة ، وما الذي يستتر وراء السطور.. هذا هو المهم )


بيرجمان يعتمد كثيرا في أغلب أفلامه على الحوار ، كمادة أساسية يستطيع من خلالها أن يبرز ما يختلج في دواخل شخصياته ، ويعبر من خلاله عن الأزمة ببلاغته المدهشة ، وشاعرية مرصوفة في أفكارها وعباراتها ، ولذلك فكثيرا ما تتزيَّن الحوارات في أفلامه بثوب فلسفي ، أو تحليل نفسي ، قادر على استخلاص المعاني في اقل العبارات وأكثرها قوة وشاعرية ، حينما تتأمل بعض حوارات بيرجمان تتعجب من كونه قادرا على إيصال المعنى في جمل بسيطة على الرغم من أنها مؤثرة ، جمل تتمكن بشاعريةِ كلمتها وعباراتها وقوتها أن تخترقك ، وأن تجعلك تصغي السمع لها متأثرا بها ، بالذات حينما تمتزج بالشكل التعبيري المناسب والممثل القادر على تأديتها .



الثاني : جمالية الصورة السينمائية التي يقدمها وبلاغتها الشديدة في إيصال ما يريد إيصاله مدعَّمة بالاجواء المناسبة التي تتماشى مع مضمون الفيلم عموما والمشهد خصوصا ؛


ولا شك أن بيرجمان يُعدُّ واحدا من أمهر من يتمكنون من إيجاد تلك البلاغة الصورية الشاعرية ، الكاميرا لدى بيرجمان عبارة عن عين في رأس شاعر ( كما قال أورسن ويلز ذات مرة ) ، وبالتالي لديه الموهبة لاستخدامها بما يوفر له القدرة على استخلاص ما يريد وإضفاء صبغة جمالية على المشهد ، ولذلك فإن تعاونه مع مصوره المفضل سفين نيكفست العملاق السويدي وأحد أفضل المصورين وخبيري الإضاءة السينمائيين أوجد شاعرية كبيرة في الصورة التي يقدمها وقوة تعبيرية تفرضها الزوايا الكاشفة والإضاءة المتماشية مع الظل واللقطات ذات التصوير المقرب والتصوير البعيد ومعمارية الصورة التي تأتي متماشية مع مضامين المشهد ، ولك أن تشاهد كيفية استخدام بيرجمان للكلوس أب ( سبق أن تطرقنا له لذلك يرجى الرجوع إليه ) في أفلام مثل الشخصية حينما استخدمها بكثافة شديدة ، أو تشاهد كيف استخدم تكنيك التصوير البعيد في عديد من أفلامه مثل تلك اللقطة القوية المعبرة في فيلم عذراء الربيع بعد اغتصاب الفتاة ونزع ملابسها من قِبَل المجرمَيْن في لقطة تدل على أننا نتلصص على ذلك المشهد البشع بلا حيلة في لقطة موحشة ، وبراعة بيرجمان في صورته وشاعريته التي يتمكن من إيجادها من خلالها اكبر من الإتيان بها في هذا المقال الخاطف ،


كما أن بيرجمان بارع للغاية في خلق أجوائه ، أحيانا تكون موحشة وقاتمة ( صيحات وهمسات ) ، وأحيانا تجيء شاعرية وغامضة ( الشخصية ) ، وأحيانا تكون هادئة وتأملية ( التوت البري ) ، وأحيانا تجيء مقلقة وكوميدية ( الختم السابع ) ، إن بيرجمان يتحكم في تسيير أجوائه وخلقها بما يتماشى مع المشهد المعين كما يشاء ، لديه القدرة على رصف عناصره الحوارية والتقنية والتمثيلية لإيجاد ذلك النوع من التوافق بين طبيعة المشهد المعين وبين شكله وأجوائه التي تتماشى معه ، مما يجعلك – كمُشاهد – تحس بالمشهد إحساسا عميقا ، ويجعل المشهد – في حد ذاته – يعبر عن الشكل الفني الذي يجب أن يتلبَّسه .


ولأن سينما بيرجمان – كما قلت أولا – سينما تأملية ( والتأمل لا يُشترط أن يكون هادئا بل قد يكون صاخبا ) ، فإن أفلامه بطيئةُ التنقل بين المشهد والمشهد ، ولذلك فهو لا يعتمد على تقطيع اللقطات كثيرا في المشهد الواحد ( سوى تنقُّـل الكاميرا بين الشخصيات في المشهد الواحد ) ، يترك الكاميرا تأخذ حريتها وتجوب في أوجه الأشخاص وتتأمل محيطها ، ومن هنا فإنك تستطيع – كمُشاهد – الاستغراق في استرسال المشهد والانسجام الكلِّيَّ معه في تأمُّليَّـته ، ولعل أنجلوبليس واحد من أمهر من يتعاملون مع هذه التكنيك ، فالمشهد لديه عبارة عن لقطة واحدة مستغرقةٍ في جماليات الصورة .




ومن أهم المميزات التي تساهم في جماليات الشكل العام للفيلم هو الصوت ، يصف تاركوفيسكي بيرجمان في كتابه النحت في الزمن بأنه ( أستاذ في توظيف الصوت ) ، والصوت الذي نقصده لا يعني ما يمكن أن يتبادر للذهن وهو النقاوة والصفاوة ، ليس هذا هو المقصود ، المقصود بالصوت هنا هو كيفية معرفة المخرج ( المهندس الأول للفيلم ) توظيف الصوت ( الموسيقى ، المؤثرات الصوتية ) في خدمة المقصد الذي يريد أن يصل إليه ،


على سبيل المثال ، في فيلم ( صيحات وهمسات ) تغاضى بيرجمان عن إدراج الموسيقى سوى في لقطات معدودة وتعبر غالبا عن أريحية واهمة ،


لماذا يفعل ذلك على الرغم من الإيحاءات والقوة التي قد توفرها الموسيقى حينما تتماشى مع الحدث ؟ ،
السبب في ذلك أن بيرجمان أراد واقعية موغلة ، واقعية قوية التعبير في كل أجزائها ، وقع الأقدام ، دقات الساعة ، الهدوء الموحش ، صوت العصافير المغردة ، حفيف الرياح ، إنه يريد أن يجعل من الواقعية التي تتناسب مع واقعية الفيلم القاسية أن تحل محل الموسيقى ، لأنها ستتمكن من التعبير بشكل أقوى وستساهم في رفع مستوى واقعية الفيلم ،


نشاهد ذلك أيضا في ( عذراء الربيع ) عندما يستخدم بيرجمان أصوات الطبيعة كمؤثرات صوتية في مشاهد الغابة / مما جعل واقعية تفرض حماسا وترقبا أكبر لدى المُشاهد ،


على صعيد الموسيقى واستخدامها والمؤثرات الصوتية عموما فإن بيرجمان يعلم تماما كيف يستخدمها ، ومتى وفي أي موضع ، ويعلم تماما أي صوت سيتماشى مع مشهده هذا ومشهده ذاك ، والأمثلة على ذلك تطول ومتناثرة في كل أفلامه ، وهذه الميزة والأستاذية التي يتميز بها بيرجمان – والتي يشهد له بها تاركوفيسكي – ساهمت في رفع المستوى الشكلي لأفلامه لتكون أكثر قوة وأبلغ تعبيرا وأشد تأثيرا وإيصالا لما يريد إيصاله .


من أهم المميزات التي تميز سيناريوهات بيرجمان أنها لا تعمد نحو تغليب الحبكة القصصية ذات التتابع الزمني ، بل تعتمد وبشكلٍ كليٍّ على تتابع المعالجة الدرامية ، والمعنى ، أنها تهتم بالمعالجة أكثر من تتابع القصة في إطارها الزمني ، ففي فيلم ( صيحات وهمسات ) على سبيل المثال يتَّضح جلياًُّ أن الطريق الذي سلكه السيناريو ليس تسلسل القصة ، وإنما تسلسل المعالجة ، عَرْضُ كل شخصية والغوص فيها ومعالجتها من كافة جوانبها ، لا نحس بالزمن المتتابع ولا يؤثر ذلك في الفيلم ، وهذه خاصية شديدة الخصوصية ، لأنها تعتمد على ذاتية الشخصيات حيث أن السيناريو يعتمد على معالجته لها وبالتالي يجب أن تكون غنية تستطيع أن تحمل الفيلم في تناسقه وتناغمه وتسلسله ،


وهذا الأمر واضح أيضا في سينما تاركوفسيكي ، حيث أنه يعتمد اعتمادا كليا على المعالجة ، أو تتابع الأزمة كما يسميها البعض ، ولأن بيرجمان وتاركوفسيكي يشتركان في ميزة أساسية وهي أن السينما التي يقدمونها ويهتمون بها هي قبل كل شيء ( تأملية ) ، تغوص غوصا عميقا في معالجة الموضوع المطروح ، ولذلك فإن في بعض أفلام تاركوفيسكي لا يبدو أن لها حبكة معلومة ، تجمعها وحدة موضوعية ولكنها متناثرة ، وكأنها حلم ، ولذلك فإنه يعتمد على الاستغراق ، والتأمل ، وكأننا نشاهد أحد أحلام اليقظة ، والتي من خلالها يتمكن من ملامسة أجزاء عميقة للغاية في النفس البشرية ، حيث يخاطب اللاوعي عبر تأمليته المستغرقة لما يستتر خلف ظاهر الحياة الطبيعية ،


بيرجمان ينهج هذا المنهج ، ولكن بشكلٍ أقل تطرفا من تاركوفيسكي ، فهو تأملي ولكنه لا يستغرق في تأملاته كما يستغرق تاركوفيسكي ، وبالتالي فإنه يتأمل المعالجة : لمواضيعه ، لشخصياته ، لإسقاطاته ، ويبتعد عن التركيز على التتابع الزمني الذي يحكم تسلسل الحبكة ، هذا التسلسل الزمني في أفلامه لا شك أنه ضروري ، ولكنه لا يحكم الفيلم ، ففيلم صيحات وهمسات يجب عليه الاهتمام بالتسلسل الزمني لأنه سيقودنا نحو وفاة آجنس ومن ثم انتقال الأخوات ومن ثم نية بيع البيت ، ولكن المحور الأساسي الذي يدور عليه الفيلم هو المعالجة للشخصيات وما تصارعه في حاضرها وما كابدته في ماضيها ، وتأثير كل شخصية منها على الشخصية الأخرى .


يُصنَّـف بيرجمان لدى النقاد كواحد من أكثر المخرجين اهتماما بالنساء وفهما لهن ، لا ينافسه في ذلك سوى المخرج الأمريكي روبرت ألتمان ، يتعرَّض بيرجمان كثيرا للنساء ، ووضعهن الذاتي والاجتماعي والنفسي وحتى الجنسي ، وعلى الرغم من أن بيرجمان واجه – خصوصا في السبعينيات – اتهامات من قِبَل مؤسسات اجتماعية تدعم المساواة الجنسية إلا أن السمعة التي كسبها لدى عموم السينمائيين أنه قدَّم المرأة في أفلامه مجرَّدة من كل ما يربطها بالضوابط الاجتماعية والنفسية والجنسية ، المرأة جنس غزير المشاعر بعكس الرجل ، ولذلك فبيرجمان يحب كثيرا تناولها ، لأنها توفر له ذلك التضارب العميق الذي يُحبِّذه كثيرا في بناء شخصياته ، ولذلك فإنه يختار شخصياته النسائية غالبا محاطة بأزمات متعددة ، أحيانا أزمات اجتماعية تفرض عليها الالتزام ، وأحيانا أزمات عاطفية تخلق فيها تضاربا في المشاعر ، وأحيانا أزمات أخلاقية تجبرها على الوقوف أو المضي قدما ، وأحيانا أزمات جنسية قد لا يفهمها الرجل ولا يستوعبها لعمقها في شخصيتها الأنثوية .


يصرِّح بيرجمان كثيرا بإعجابه بالمخرج السوفييتي أندريه تاركوفيسكي ، وإعجابه بتاركوفيسكي يرجع إلى أنه – من خلال وجهة نظر بيرجمان – أكثر من قال بلغة السينما ما لا تستطيع غيرها من الفنون قوله ، مستخدما أدواته السينمائية وجاعلا من أفلامه انعكاسا ( للفن ) وكأنها أحلام تخاطب اللاوعي في المُشاهد ، وأعتقد أن بيرجمان تمكن من تلخيص سينما تاركوفيسكي بهذه الكلمة تلخيصا دقيقا ،


ولكن ماذا عن بيرجمان نفسه ، ألم يضرب على هذا الوتر الحساس ولو مرة واحدة ؟


يصف بيرجمان ذات مرة فيلما ( الشخصية ) و ( صيحات وهمسات ) بأنهما الفيلمان الوحيدان اللذان ذهب فيهما إلى أبعد ما يستطيع ، بمعنى أنه انغمس فيهما وفي سينمائيتهما وابتعد بمعالجتهما إلى أبعد ما يكون ، ولذلك يبدو جليا أن هذان الفيلمان من أكثر أفلام بيرجمان قوة وتأثيرا ، ولهما حس فني سينمائي رفيع المستوى حيث الرمزية التي يتميزان بها والشكل التصويري الإبداعي والعمق الكبير في المعالجة السينمائية والأسلوب السردي الفريد وقدرتهما على اختراق المناطق الحساسة في المُشاهد وتحريكها ، ولذلك فإن هذان الفيلمان هما من أكثر أفلام بيرجمان ( سينمائيةً ) ، حيث تمكن من خلالهما الاستفادة من أدواته السينمائية بشكل مكَّنه من قول ما لا تستطيع الفنون الأخرى قوله بذات الشكل والأسلوب ، ولذلك فإن هذان الفيلمان يعبران أكثر من غيرهما عن ( الفن السينمائي ) بأدواته وتعبيراته وسردياته المختلفة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الأول
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الشنتوف :: منتديات الفن والسينما :: منتدى السينما العالمية-
انتقل الى: