منتدى الجميع
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:01 am

أهم الأفلام:



بسبب غزارة الإنتـاج السـيـنمـائي الذي يتميز به الـمـخـرج والـكـاتـب الـراحـل إنجمار بيرجمان ... حيث كـتب وأخرج ما يقارب السـتة والسـتين عملا سينمائيا وتلفزيونيا .... وبـسـبـب ضيـق المـقـام الذي يـمـنع من الإطـالة والاستـرسـال .. فقد اخترت من بينها أهم أفلامه ، التي تُعد الأيقـونات التي يُـذكـر بهـا ... وأتـمـنى أن أكون قد وفقت في اختيارهـا ...



( علماً أن الترتيب للأفلام عشوائي )




-*-*-*-


Cries and Whispers - 1972



هذا الفيلم يمثل حالة خاصة جدا بالنسبة لبيرجمان نفسه .. فهو فيلم أراد أن يخرجه رغم عدم وجود جهات إنتاجية أرادت توليَ عملية إنتاجه بسبب قسوته وكمية الحزن الذي يسيطر على شخصياته ويتشبع بها محيطها مما سيؤدي حتميا إلى فشله في تحقيق الأرباح المطلوبة .. ولذلك فإنه تولى عملية إنتاجه من ماله الخاص .. وهي حركة تنم عن قناعة الفنان الحقيقي الذي لا يأبه سوى بفنه الذي يعبر عن نفسه مهما بلغت الصعوبات التي تقف أمامه وتحول بينه وبين إخراجه .. وتكررت عليه ذات الإشكالية عندما لم يستطع إيجاد موزع في الولايات المتحدة الأمريكية إلا بعد جهد جهيد .. وعطفا على ما سبق فإنه يتبين جليا أن هذا الفيلم بالذات في مسيرة بيرجمان العامرة كان أحد أكثر أفلامه خصوصية بالنسبة إليه ..

ورغم أن الفيلم يبدو - في ظاهره - رحلة في المراحل الأخيرة لامرأة محتضرة .. إلا أنه لم يكن هكذا أبدا .. بل هو رحلة مزدوجة في أربع شخصيات يعيشون في قصر واحد في مطلع القرن التاسع عشر .. وثلاث من الشخصيات الأربع هنَّ أخوات متناقضات في كل شيء : في مشاعرهن ، في مبادئهن ، في أحلامهن ، في عقلياتهن ، في تفكيرهن ، في آلامهن .. رغم قربهن من بعضهن وتشاركهن في عائلة واحدة .. أما الشخصية الرابعة فهي الخادمة التي تقوم بخدمتهن ..

أحد تلك الشخصيات الأربع شخصية الأخت المحتضرة أجنس (Harriet Andersson ) التي تنتظر الموت في أية لحظة جراء إصابتها بالسرطان .. ويبدو عليها علامات الاضطراب النفسي والحزن الظاهر على ملامح وجهها البائس .. والذي يتضح أنه لم يكن وليد الاحتضار بل كان ملازما لها منذ طفولتها .. حيث أنها شخصية يتلاعب الحزن في مشاعرها ويسيطر البؤس العميق على حياتها .. فتجاوبها ضعيف غاية الضعف مع ما حولها من مظاهر الحياة .. واحتضارها يمثل نهاية مماثلة لطبيعة شخصيتها البائسة ..

الشخصية الثانية هي الأخت الكبرى كارين ( Ingrid Thulin) .. وهي شخصية قاسية وباردة المشاعر .. يسيطر عليها الكره وسوء الظن في كل من حولها .. علاقتها الباردة مع زوجها الدبلوماسي ومع أخواتها أورث لديها جمودا بغيضا في التجاوب العاطفي مع نفسها في المقام الأول ومع غيرها .. فكرهها لمن حولها ليس إلا نتيجة لكرهها لنفسها وبغضها لحقيقتها وطبيعة حياتها الجامدة والخالية من الحيوية ..

الشخصية الثالثة هي الأخت الصغرى ماريا (Liv Ullmann ) .. وهي شخصية مزيفة الظاهر تتَّضح عليها علامات السذاجة والاندفاع الذي تبرره أنانيتها .. علاقتها مع زوجها لم تكن جيدة ولذلك فإنها كلَّلتها بخيانة زوجية مع طبيب العائلة ووصلت بها البشاعة أنها لم تهبَّ لمساعدة زوجها حينما طعن نفسه بعد اكتشافه لخيانتها له .. وعلى الرغم من طيبتها الظاهرة إلا أن ما يستتر خلف ذلك هو أنانيتها الواضحة التي تنبئ عن أنها مجرد جمال شكلي وقالب فارغ لا قيمة له ..

الشخصية الرابعة هي الخادمة آنا ( Kari Sylwan ) والتي فقدت ابنتها في العام الماضي وأصبحت تعيش كمن فقد جزء منه .. لا تحس بطعمٍ للحياة .. كما أنها كسيرة الجناح لا أهل لها ولا مأوى .. وهو أمر يتضح من ضعفها وقلة حيلتها الظاهرة على ملامح وجهها البريئة .. كما أنها الشخصية الوحيدة التي تعطف على أجنس عطفا مختلفا عن عطف الآخرين .. عطفٌ لا يكتفي بالرعاية الجسدية التي تقوم بها كل من كارين وماريا .. وإنما عطفٌ شعوريٌّ دافئٌ حيث تغمرها دائما بمحبة وحنان .. وكأن فقدانها لابنتها قد جعل من أجنس بديلا لها عنها ..

لم يصنع بيرجمان تحفته هذه ( صيحات وهمسات ) – كما هو أسلوبه – مدعما بالحوارات الرنانة التي من شأنها أن توصل أفكاره وإسقاطاته ببلاغة مدهشة .. بل جعل الفيلم عبارة عن ملحمة إنسانية تخترق الروح البشرية و تتضارب فيها محاور عدة أظهرها بصورة مجردة من الحوار ومشبعة بقوة الصورة وجمالية بلاغتها ورمزيتها .. فهو فيلم يخاطب الروح وليس العقل عبر تركيزه على بلاغة الصورة كمعبر أساسي يخترق المُشاهد ويجعله يتعايش مع الفيلم روحيا وليس عقليا .. ولذلك فإنه كثف من الرمزيات والإسقاطات التي تبرز من ثنايا الأحداث وكذلك التمثيل الذي اعتمد فيه الممثلون كثيرا على مبدأ ( البانتوميم ) حيث إبراز ملامح الوجه كلغة معبرة بدلا من استخدام الحوار بالإضافة إلى التصوير العبقري – الذي تولاه المصور العملاق سفين نيكفست – و الذي كان يتكلم بصمت شاعري يسلب الألباب ويساهم في خلق صورة طاغية في قوة تعبيرها مدعمة باللون الأحمر الزاهي والأجواء ذات الطبيعة السوداوية التي تمنح الفيلم برودا شديدا يسيطر على محيط أحداثه وشخصياته كذلك السير البطيء في بناء المَشاهد والذي أورث هدوء موحشا يتناسب مع معطيات القصة المأساوية والقاسية في سوداويتها المفرطة .. لقد تخلى بيرجمان عن الحوار رغم أنه أحد أكبر مميزاته التي يذكر دائما بها .. فلا أحد يماثله في حواراته الفسلفية والنفسية التي من شأنها أن توصل أعقد المشاعر والاضطرابات النفسية والشعورية بشكل مبسط رغم بلاغتها المدهشة .. لقد تخلى بيرجمان عن هذا الأسلوب في فيلمه هذا واستبدله بصناعة ملحمة إنسانية تأملية وروحانية في غاية البلاغة التصويرية تتجاذب صراع الإنسان مع ذاته وصراعه مع من حوله وتضاربات مشاعره ورواسب ماضيه التي تؤثر في بناء حاضره وأهم من ذلك كله صراع الإنسان مع قوى الحياة الخفية بأسرارها ومضامينها وتقلباتها والغوص الدقيق والعميق والفسلفي في نفسية شخصية تستعد للموت بكل ما تكنه من مشاعر واضطرابات شديدة الهيجان تثيرها حقيقة العالَم المجهول الذي ستقبل إليه وتتابع فيها الذكريات واللحظات التي ترسم الماضي كأنشودة صافية النغم أو حلم هادئ يجعل الحياة مرتعا خصبا للسعادة والاطمئنان ..

كل تلك التضاربات والانعطافات التي يحملها الفيلم في جعبته قدمها بيرجمان بدون أن يجعلها تنبني على حبكة قصصية حيث الأحداث المتتابعة أو طريقة سردية معينة في رواية قصته أو ركز على الحوار او على تفاعل الأحداث .. بل أراد أن يجعلها تطفو على السطح .. وأن تكون ظاهرة بكل تهيجاتها واضطراباتها وتعقيداتها بدون أن تتحكم فيها المعايير المعهودة في صناعة الأفلام .. وأن تكون الصورة هي المتحدث الرئيسي الذي يتولى عملية رواية تلك المأساة بما تحمله من مشاعر متضاربة وفلسفيات متناثرة وأحزان متوقدة .. وكأنها قصيدة شعرية لم تكتب بحروف .. وإنما بمجموعة من الصور والتأملات واللحظات التي تستطيع أن تُـظهر لنا – وبكل صدق – حقيقة تلك المشاعر الإنسانية المتضاربة بدون تزييفها .. وأن يتعايش المُشاهد معها وكأنه جزء لا يتجزء منها وأن تستطيع ملامسة روحه ومشاعره بعيدا عن منطقيته أو عقلانيته .. إنها رحلة شاعرية روحية تأملية قاسية في أعماق الروح البشرية .. رحلة لا يستطيع أحد أن يصل ببلاغتها إلى حدود الكمال سوى شخص واحد .. هو إنجمار بيرجمان .

احد فلاسفة العرب قال مقولة شهيرة بعد أن أضنته متاهات الفلسفة التي أوصلته إلى طرق مسدودة ( ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور ) ..

في هذا الفيلم ( وفي أغلب أفلامه ) .. يجمع بيرجمان جُلَّ أفكاره وأطروحاته ونظرياته تجاه الغيبيات الحياتية والروحانيات وحقيقة ما ينتظرنا بعد الموت .. ويحاول جاهدا ان يصل إلى نتيجة معينة ترضي غروره العقلي والفكري .. ولكن جميع الطرق تظل مسدودة في وجهه بل وتزداد غموضا كلما تعمق فيها أكثر .. مما يجعله يحسد – أو لنقل يغبط – أولائك الذين يؤمنون بشكل مبسَّط بعيدا عن التعقيدات التي تفرضها عقليته .. هذه الشخصية أسقطها بيرجمان في الفيلم لتكون هي شخصية الخادمة آنا .. التي على الرغم من فقدانها لابنتها الوحيدة إلا أنها لم تفوت أبدا صلواتها ودعواتها لربها .. إنه الإيمان البسيط الذي يفتقده بيرجمان .. والذي يتوه في خضمِّ فلسفيته ومحاولة تفسيره للمظاهر الغامضة في هذه الحياة وما بعدها ..

في الفيلم .. هنالك تجريد جريء للغاية للنفس البشرية .. تجريد يُظهرها على حقيقتها بدون تزييف أو تجميل .. وإنما بما تُـكنُّه من عيوب وأخطاء واضطرابات .. هذا التجريد قليلا ما نجده بهذه القسوة .. فنحن قد نشاهده في أفلام عديدة تختلف كليا عن طبيعة فيلمنا .. ولكن ليس بهذه القسوة التي تجعلك تقف كثيرا – بعد الانتهاء من الفيلم – أمام النفس البشرية بكل تعقيداتها وغموضها .. وتتفكر فيها ككائن غريب مليء بالزيف والخداع وهشاشة المقاومة أما قواصم الدهر العاتية .. وهذا الطرح لم يكن ليتوفر إلا بسبب اعتماد بيرجمان على واقعية شديدة في إظهاره لشخصياته وبناءه للمحيط الذي تعيش فيه بكل ما يحتويه ذلك من مشاعر كذابة وعلاقات خداعية ومظاهر زائفة .. وهي الواقعية الشكلية التي منحت الفيلم مصداقية لدى مُشاهده ..

هذه الواقعية في بناء المَشاهد جعلت الفيلم أكثر قسوة وعنفا .. ولذلك فإن كثيرا من مَشاهده لها قوة تأثيرية تلامس مشاعرك بشكل مؤثر وتجعلك تتجاوب معها بدون أن تشعر بذلك ..

فمشهد موت أجنس هو أحد أعظم المَشاهد التي أثرت فيني شخصيا .. لقد أحسست حين مشاهدته برعشة تنفض جلدي وتكهرب جسدي .. لستُ أعلم حقيقة .. هل كان أثر ذلك ناتجا عن الأداء العظيم في ذلك المشهد من الممثلة هارييت أندرسون أم من الواقعية المفرطة التي بنا عليها بيرجمان تلك اللقطة أم في ذلك السكون الموحش الذي أعقب تلك اللحظة .. أم أنها جميع تلك العوامل اجتمعت في مشهد واحد فكان شديد البلاغة إلى حد الكمال ومتجردا من كل علامات التزييف وظاهرا على حقيقته ومُجسِّدا لبشاعة الموت تماما كما هي حقيقته في الواقع ..

لم أشاهد مشهدا في حياتي أبلغ وصفا وأشد قوة وأكثر واقعية من هذا المَشهد .. أبدا ..

عملية السرد التي اختارها بيرجمان لكي يبني على أساسها أحداثه كانت غاية في التميز في تلاعبها بالتراتبية الزمنية .. حيث أن الفيلم يأخذنا في محطات متعددة وليس في تسلسل أحداثي زمني متتابع .. فبينما يركز في حاضر الأحداث على أجنس كشخصية محورية يقوم على أساسها الفيلم إلا أنه يستعمل الفلاش باك كوسيلة لتناول الشخصيات الأخرى : كارين وماريا وآنا .. كما أنه يستخدم الأحلام التي يصوغها بأسلوب مقارب لأساليب السريالية حيث مجهولية الحلم وغموض الحالم نفسه وعدم تبيان اتصال الحلم بالواقع وخلطه بينهما .. كما أنه يعتمد في نهاية الفيلم على المذكرات التي كانت أجنس تكتبها قبيل وفاتها كختام يختم به مأساته هذه ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:01 am

إن السيناريو تمكن من التحكم بالسير الزمني لكي يستطيع إظهار شخصياته بما يكنُّونه من مشاعر غائرة لا تظهر على ظاهرهم بدون أن يجمعهم في إطار سردي واحد ذو تتابع زمني متسلسل .. ولذلك كان حاضر الأحداث باردا وخاليا من التغيرات والمفارقات سوى قليل منها .. وما نكتشفه حول الشخصيات هو عبر الفلاش باك الذي يضيء لنا جزء من تاريخها الذي يكشف لنا حقيقتها .. ومشهد الحلم الذي يمثل مشهدا من أروع المشاهد السينمائية كان كفيلا لأن يغوص في أعماق حقيقتها بعيدا عن مشاعرها الزائفة وأن يُظهرها لنا متجردة من النفاق الذاتي أو الاجتماعي أو الزيف الذي تبديه كل واحدة منها للأخرى .. لذلك كان الحاضر معايشة دقيقة لنهاية امرأة محتضرة هي أجنس .. بينما كان ما يسير خلف هذا الحاضر هو إسقاط عبقري لجميع الشخصيات التي تظهر في حاضر الفيلم نقية وهادئة ومسالمة إلى أن تتكشف حقيقتها فيما بعد .. لنعرف جيدا أن تلك الشخصيات في مكنونها لا تختلف عن أجنس المحتضرة .. لأنها هي في حد ذاتها شخصيات تحتضر في داخلها ونرى أرواحها تتمزق حزنا وتتلاشى حيويتها من شدة بؤسها .. لذلك فإن بيرجمان يفصل بين الواقع الذي يبدو في الظاهر ناصعا نقيا وبين ما تكنُّه نفس الشخصيات من ألم وحزن يتضارب في دواخلها ..

بالفعل .. إن الفيلم – كما قال صانعه – استكشافٌ للروح .. وليس للظاهر ..

يُسقط بيرجمان إسقاطة رائعة المضمون هنا حول حقيقة المحبة .. في مشهد الحلم الاستثنائي تطلب أجنس من أختيها مواساتها في تلك الظلمة الدامسة التي أورثتها وحشةً وخوفًا .. ولكن الأختان ترفضان بأسلوب مختلف .. بينما تتقدم آنا نحوها وتأخذ بيدها وتجلس معها مواسية لها بحنان ومحبة خالصة .. إن بيرجمان يؤكد أن القرابة ليست سببا كافيا لوجود الحب .. بل إن الحب كائن منفرد بذاته عن جميع الروابط الذاتية والاجتماعية .. هو شعور متجرد قد لا يمتاز به الإخوة الذين ينحدرون من عائلة واحدة ويجمعهم نسب ودم واحد .. بينما يتأجج بين مجموعة من الغرباء الذين تجمعهم روابط المحبة الخالصة ..

لم يكن اختيار اللون الأحمر الزاهي الذي يسيطر على ديكورات المَشاهد عبثا من قِبَل بيرجمان .. بل كان يستند على قناعة لديه متمثلة في قوله حينما تكلم عن ذلك ( بتصرف ) :
( صيحات وهمسات هو فيلم استكشافٍ للروح .. ومنذ طفولتي .. كنت أتخيل الروح غشاء شفافا يسير في ظل أحمر )

لقد أراد بيرجمان أن يجعل شخصياته تسير وكأنها أرواح تتخايل في ظلال أحمر .. ولذلك ركز على بلاغة الصورة في إظهاره لهذه الشخصيات التي جردها من عوامل التعريف بها وجعلها تتكلم عن ذاتها بتحركاتها وبنظراتها وبأفعالها وأشبع محيطها باللون الأحمر الزاهي لتمثل تجسيدا واقعيا لرؤية بيرجمان التي حملها منذ أن كان صغيرا وهي تلك الصورة المترسخة في ذهنه عن شكل الروح التي تسير في ظلال أحمر .. إن فيلم ( صيحات وهمسات ) يُـظهر لنا أشخاصا يجتمعون في قصر عامر .. بينما هم في الحقيقة أرواح تسير في ظلال أحمر ..

إن حضور لغة اللون الأحمر الذي سيطر على الديكورات والأقمشة والشاشة حينما تنتقل الشخصيات من وضعية الحاضر إلى الفلاش باك في هذا الفيلم كان حضورا قويا للغاية .. حتى أن بيرجمان قال في موضع معين ( بتصرف ) :
( كل أفلامي قد تستطيع تخيلها بالأبيض والأسود إلا فيلم صيحات وهمسات .. فالسيناريو ينص على أن الأحمر يمثل بالنسبة لي ما هو داخل الروح )

وهو أمر سبق شرحه وشرح وجهة نظر بيرجمان فيه .. ولكن ما أريد أن أعلق عليه هنا هو أنك لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تتخيل فيلم ( صيحات وهمسات ) بدون اللون الأحمر .. فهو ليس مجرد شكل جمالي تقوم عليه ديكورات وتصميمات المَشاهد .. وإنما هو جزء لا يتجزأ من الفيلم عموما .. ولا يمكن لمضامينه أن تصل إلا به .. فهو مُكمِّل لها حيث أن رمزيته التي تشير – كما سبق – إلى الروح وتموُّجها باللون الأحمر – كما يتخيلها بيرجمان – تمازجت مع محيط الشخصيات لتكون معبرا أساسيا عن الصبغة السوداوية التي صنعها الفيلم .. تلك الصبغة التي ساهمت في اختراق جزيئات الروح البشرية في أدق حالاتها وتعقيداتها ومشاعرها واضطراباتها .. ولذلك فإن بيرجمان – وبذكاء مدهش – جعل من اللون جزء من المضمون .. وعنصرا – رمزيا – أساسيا يقوم عليه الفيلم .. ولم يبتعد بيرجمان عن استخدامه سوى في الحالات التي تبرز فيها بوارق الماضي الجميل والذكريات السعيدة .. كاللقطة التي تمشي فيها ماريا في الحديقة مسترجعة ذكرياتها مع أمها .. أو في آخر الفيلم حينما نقرأ في مذكرات أجنس وصفا لذلك اليوم الرقيق الذي خرجت فيه مع أخواتها وآنا إلى الحديقة يتسامرون .. عزل بيرجمان اللون الأحمر في تلك المَشاهد لأنها تمثل بريقا مشعا من الماضي الجميل ومشبعا بالذكريات البراقة .

هذه الصورة البليغة في قوتها التي تمكن من صناعتها بيرجمان لم تكن لتكتمل إلا بوجود عبقري آخر هو المصور السينمائي سفين نيكفست .. وهو المصور المفضل لدى بيرجمان .. وقد تشاركا جميعا في أفلام عدة لعل أشهرها ( الشخصية ) و ( فاني وأليكساندر ) و ( عذراء الربيع ) وغير ذلك .. وسفين هو أحد أبرز المصورين السينمائيين في وقته .. ليس في أفلام بيرجمان فقط بل وكذلك في تعاونه مع العبقري الروسي تاركوفيسكي في رائعته ( التضحية ) ولاحقا مع الفيلسوف السينمائي وودي ألان في رائعته ( جرائم وجُـنََح ) وكذلك مع فيليب كوفمان في رائعته الفذة ( كائن لا تطاق خفته ) .. فهو مصور يمتلك مكانة ممتازة في عالم التصوير السينمائي أهَّلته للحصول على جائزة الأوسكار مرتين عن فيلمنا هذا وعن تحفة بيرجمان الأخرى ( فاني وأليكساندر ) وهو أمر غاية في التميز على اعتبار أجنبية كلا الفلمين ..

في هذا الفيلم يبدع نيكفست إبداعا رائعا – بإشرافٍ من بيرجمان بالتأكيد – في تمكين الكاميرا من التكلم والتحدث بما يعجز عن قوله أروع الحوارات الرنانة .. إن الكاميرا تجول في القصر وبين الشخصيات وتخترق بروعتها بواطنها بشكل معبر .. حيث استخدام تقنية ( Close-Up ) أو تقريب الكاميرا على أوجه الشخصيات لنشعر بها ظاهرة بكل ملامحها وكأنها تتكلم بلغة صامتة ولكنها مفهومة .. كما أنها تساهم بجماليتها الطاغية في تكثيف الأجواء السوداوية والباردة التي تسيطر على محيط الشخصيات .. ولازلت أتذكر كلمة المخرج الكبير أرسن ويلز عندما قال ( الكاميرا عينٌ في رأس شاعر ) .. وبحق فلقد كان التصوير في هذا الفيلم شاعريا إلى أبعد الحدود .. متكلما بصورة بليغة البيان رغم صمتها المطبق .. مما ساهم في رفع القيمة الجمالية للفيلم وجعل الصورة العامة التي يقدمها صورةً شديدةَ الجمال قوية التأثير بليغة البيان ..

لعل بيرجمان من أفضل المخرجين الذين يستطيعون انتزاع أفضل الأداءات من الممثلين .. وهو أمر نلتمسه دائما في جميع أفلامه .. وهنا يمثِّل أداء الممثلين المتميز لأدوارهم المركبة الحلقة الأخيرة التي تكمل سلسلة الفيلم الإبداعية ..

هارييت أندرسون تقدم أداء عظيما للغاية .. أداء سيظل عالقا في ذهني .. لم أشاهد ممثلة من قبلها أو بعدها تقدم أداء لامرأة محتضرة بكل اضطراباتها ومخاوفها وتشنجاتها بمثل هذا الشغف والإتقان الذي غلَّف أداءها العظيم هنا .. لقد تمكنت من تقمص شخصية صعبة للغاية .. شخصية امرأة تنتظر الموت وتنسل منها بقايا الحياة .. لنعايش معها معايشة دقيقة وعميقة تلك الاضطرابات التي تعاني منها ولحظات الاحتضار التي تجر معها مخاوفها وآلامها التي تمزق أحشاءها .. لقد تمكنت من إقناعي شخصيا بأنني أشاهد امرأة محتضرة .. وجعلتني أحس بما تحس به وأستشعر – ولو من خلف الشاشة – ما تمر به .. إنه أداء عظيم ..

إنجريد ثيولين تقدم أداء رائعا .. لشخصية مركبة .. لشخصية امرأة يتلاعب فيها الكره والإحباط .. لا تحس أمامها بأي شعور بالحياة أو حيوية تفرضها طبيعيَّـتها الإنسانية .. وإيصال مثل هذه الشخصية يحتاج لأداء عميق .. ودقيق .. يجعل من الشخصية جبلا من ثلج لا يستشعر ولا يريد أن يتجاوب مع أحد ويكره ويستحقر كل من حوله .. أداء رائع ..

ليف أولمان تقدم أداء ممتازا لشخصيتها الأنانية والمزيفة .. والتي هي مجرد قالب جميل الشكل وفارغ في داخله .. لقد تمكنت من الفصل بين ظاهرها الطيب والجميل .. وبين حقيقتها المزيفة والقبيحة .. وتمكنت من جعلنا نحس بشخصيتها كثيرا .. أداء ممتاز ..

كاري سيلوان تقدم أداء رائعا .. ملامح وجهها تناسب شخصيتها بشكل عجيب وكأن الدور قد فصِّل لها خصيصا .. تلك الملامح البريئة التي تمنحنا – تلقائيا – شعورا بطيبتها وبساطتها وتلقائيتها .. والتي تجعلها محببة إلينا كما هي شخصية آنا التي تأتي كأطهر وأنقى الشخصيات في هذا الفيلم .. أداء رائع ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:02 am

Persona - 1966



هذا الفيلم ( بجانب فاني وأليكساندر ) من أكثر أفلام بيرجمان الشخصية ، حيث أن بيرجمان قام بكتابة السيناريو حينما كان قابعا في المستشفى بين الحياة والموت إثر مرض حادٍّ ألمَّ به ، ولم يكن هذا الفيلم مفترضا خروجه لِمَا مر به من مشاكل إنتاجية علاوة على مشاكل بيرجمان الصحية التي كادت أن تلغيه ، ولكنه يعود فيقول في كتابه ( صور : حياتي في الأفلام ) :
( في وقت ما قلت أن فيلم الشخصية قد أنقذ حياتي ، وهذه ليست مبالغة ، لو لم أجد القوة لصناعة هذا الفيلم ، لكنت على الأرجح منتكسا )

حيث أن بيرجمان وجد في فنه متنفسا استطاع من خلالها أن يُخرج ما يدور في خلده وما يلعب به ، وتمكن من إسقاطه في هذا الفيلم الذي جاء محملا بجاذبية قوية وسطوة على المشاهد بشكلٍ قد لا تشاهده في غير أفلام بيرجمان سوى ( صيحات وهمسات ) .

الممثلة المسرحية الشهيرة إليزابيت فوجلر (Liv Ullmann ) تتوقف أثناء تمثيلها على المسرح ، هكذا فجأة وبدون مقدمات ، تمتنع عن التمثيل ، تمتنع عن الحركة ، عن الكلام ، ثم عن الحياة ، لتنعزل منغلقةَ الذات والحياة في مصحة نفسية ، انعزال اجتماعي ، وانعزال ذاتي ،

توقفها الفجائي عن ممارسة حياتها ، لا يخبرنا به الفيلم صريحا ، ولكن ربما لأنها وجدت أن حياتها وفنها كما تعبر عن ذلك في مذكراتها ليس سوى كذبة كبيرة ، التزامات نتعايش بها ولكننا في الحقيقة لا نعيشها ، ولا نحس بها ولا نشعر بتكوينها ، كيف أعيش حياة لست أعلم من أنا فيها ، وماذا أكون ، إنها – وبشكل فجائي كصدمة نفسية – تنظر إلى الحياة بكل ما فيها : شخصيتها ، فنها ، عائلتها ، محيطها ، كأشياء غير واضحة المعالم ، ركائز حياتية تعيش بمقتضاها ولكنها تفتقد ميزة الإحساس بها وفهمها ، لذلك فالصمت والانعزال والانسلاخ من حياتها هو وسيلة لإعادة الأمور إلى نصابها ، إلى محاولة إعادة غربلة حياتها من جديد ، وترتيب أولوياتها ، ولكنها أصبحت في الحقيقة مواجهة لاكتشاف ذاتها ، أو كما يعنون الفيلم : شخصيتها .

واختار بيرجمان أن تكون شخصيته الرئيسية ممثلة لغرض ذكي للغاية يدل على مهارته في بناء شخصياته ، إن إليزابيت تنزح نحو الصمت والانعزال لأنها لا تعلم حقيقة شخصيتها ، وتحس بأنها ممثلة في مسرحها وممثلة في حياتها ، حيث تتصنع السعادة والحب والعلاقات ولكنها لا تتفاعل معها شعوريا ولا تحس بها إحساسا عميقا داخليا ، ولذلك فإنها تتخلى عن دورها في الحياة لتحاول أن تستبدل هذا الدور المزيف بحقيقتها الذاتية .

ليقترح عليها طبيبها أن تذهب إلى الريف أمام البحر الفسيح والهواء الطلق مع مرافقتها الممرضة ألما (Bibi Andersson ) ، ومن هناك تبدأ وبشكلٍ تدريجي تسلسلي علاقة حميمية بين إليزابيت وألما ، تحس ألما تجاهها بشعورِ انجذاب قوي ، فتفتح لها مكنون أسرارها ومخاوفها وأحلامها وآلامها وذكرياتها ، بل وتخبرها بأشنع ما كانت تستره عن غيرها وتشمئز منه ، ليس إلا لأنها وجدت فيها من يستمع إليها استماعا عميقا ، يحسسها بقيمتها ،

في الفيلم ، نقف أمام شخصيتين ، كلاهما يجهل حقيقة شخصيته الذاتية ، إليزابيت تلوذ بالصمت والعزلة لتحاول ان تكتشفها ، ألما تجد في إليزابيت انعكاسا يمنحها القدرة على البحث عن شخصيتها ، حيث تعيد بانفتاحها وصدقها معها ترتيب أوراقها وتقييم شخصيتها وتسلسل أولوياتها والإحساس بحقيقة مشاعرها ، كلاهما يمثل انعكاسا للأخرى ، ولذلك جاءت تلك الصورة المذهلة الشهيرة للغاية التي تجمع نصف وجه إليزابيت والنصف الآخر من وجه ألما في وجه واحد بعد تلك المكاشفة العظيمة ، حيث أن كلاهما ضائع مشوش محكوم عليه بفقدان هويته الشخصية والعيش في أدوار حياتية مزيفة .

وهذا يعيدنا إلى أكبر لغز في الفيلم ، وهو حقيقة الشخصيتين ،
هل هما – في الأصل – شخصية واحدة ؟ ، وإن كان ؛ فمن هي الحقيقية ومن الوهمية ؟ ، أم أن كلتاهما شخصيتان حقيقيتان ؟

يصف بيرجمان فيلمه هذا وصفا دقيقا جدا فيقول :
( إنه قصيدة مصوَّرة ) ثم يتابع فيقول ( للتفسير ؛ تستطيع تفسيره على أي حال تحب ، كالحال مع أية قصيدة ، دلالات الصور تعني أشياء مختلفة لأناس مختلفين )

فكل شخص بإمكانه تفسير الفيلم كما يريد ، أو كما يتماشى مع طريقة تفكيره وكيفية تفسيره للحبكة وفك شفرات الرموز ، وبالتالي فإن رؤيتي ستكون مختلفا عن رؤية غيري ، وغيري ستكون رؤيته مختلفا عن بقيتنا ، وهذا النوع من الأفلام يعطي مساحة كبيرة للمُشاهد لأن يكون حَكَماً في الفيلم ، وأدق من ذلك ؛ أن يكون طرفا من أطرافه وكأنه أحد كتابه أو شخصية محورية من شخصياته ( لعل أفضل فيلم في هذه النوعية هو تحفة كوروساوا راشومون )

والحقيقة أن بيرجمان – بذكاء مدهش – تمكن من تطبيق هذا المبدأ ، مع كل مشهد يحتوي على رمز معين لا تستطيع الحكم بشكل قاطع ، وكأنه تعمد أن يكون الفيلم غامضا ويحتمل كلا الوجهين ، وعندما تتعارض الآراء فإنك لا تستطيع أن تخطِّئ الشخص المخالف لك لأن وجهة نظره قد تتماشى مع المضامين والرموز بحسب رؤيته وكيفية تفسيره لها ، وهو أمر ذكي للغاية ،

ولكن في اعتقادي الشخصي ؛ أنهما شخصية واحدة ، ولكنهما وجهان مختلفان ( تماما كما في الصورة الشهيرة ) ، وأعتقد أن الممرضة ألما شخصية حقيقية ، ولكنها ليست نفس ألما التي تم تكليفها بالقيام بالعملية ، وإنما هي صورة اخترعتها إليزابيت بناء على الممرضة ألما التي تراقبها ،
ابتكرت إليزابيت هذه الشخصية المناقضة لها لتحاول من خلالها رؤية تلك الشخصية المعاكسة لها ، ذات الطبيعة المختلفة ، لتتمكن من الحكم على شخصيتها الواقعية بأكبر قدر ممكن من المصداقية ، هذا وجه أول ،

الوجه الثاني أن الفوضى والاضطراب النفسي الذي تعاني منه بلغ ذروته لدرجة اختراعها لشخصية وهمية ، هذه الشخصية يكوِّنها عقلها الباطن كمناقض كلِّيٍّ لشخصيتها الأصلية ،
عندما يأتي الزوج لزيارة الزوجة ، تسمع ألما صوته وهو ينادي ولكنها تتجاهله ، ثم تقول كلمة غريبة لإليزابيت عندما ينادي مرة أخرى ( سأكتشف ماذا يريد منا ) ، حينها تجبر إليزابيت ألما لمقابلته على أنها هي ، لكونهما أصلا يمثلان شخصية واحدة ، ولكن ألما شخصية جديدة استحدثتها إليزابيت كنقيض لشخصيتها الواقعية التي ترى أنها مزيفة ولا تريد من خلالها أن تستمر في هذا الزيف والخروج عن صمتها بمقابلتها لزوجها ، ولذلك فإن ألما تقابل الزوج فتخبره أنها ليست إليزابيت فلا يصدق الزوج ، لأن الشخصية – بتكوينها الجسدي – هي ذاتها ولكنها تقصد أنها ليست إليزابيت التي تمثل الشخصية الأصلية ،

وأيضا ، بعد المواجهة الشديدة بينهما وضرب إليزابيت لألما ومحاولة ألما رمي الماء المغلي على إليزابيت ، يتغير الفيلم تماما ، تنقلب ألما إلى شخصية مختلفة ، شخصية تواجه مواجهة قوية ، تتمكن من تحليل وإخضاع إليزابيت إلى أحكامها ، وهو تغير يدل على أنه وبعد مواجهة ألما – الشخصية البديلة – للشخصية الأصلية إليزابيت يتغير التفاعل بين الشخصيتين ، ومن الملاحظ أن الشخصية الذي تغيرت هي الشخصية الوهمية لأنها غير محددة الملامح ، وبالتالي تتغير فجأة منذ أن يتغير التفاعل الذاتي بين الشخصيتين ، من شخصية منفتحة إلى شخصية مندفعة ، ومن شخصية معجبة إلى شخصية ناقدة ، ومن شخصية حنونة إلى شخصية قاسية ، لأنها شخصية ابتكرتها إليزابيت لتكون انعكاسا لها ، فعندما كانت في الشكل الأول : منفتحة ، حنونة ، محبة ، كانت تمثل نقيض الشخصية الأصلية إليزابيت ، وعندما تغيرت إلى الشكل الثاني : مندفعة ، متهجمة ، قاسية ، أصبحت تمثل الشخصية التي تواجه الشخصية الأصلية إليزابيت وتحدد لها طبيعتها وحقيقتها وزيفها ، إنها شخصية تنعكس على حسب ما تريده الشخصية الأصلية إليزابيت .

في الافتتاحية المونتاجية للفيلم والتي تعد واحدة من اغرب الافتتاحيات والمونتاجات التي شاهدتها ، تهيؤنا تماما لمشاهدة فيلم من نحو خاص ، تخبرنا أن الفيلم ليس إلا رحلة عميقة سريالية في شخصية مضطربة سنخترق فيها مغارة نفسيتها المبعثرة ونواجه تشتت أفكارها واضطراب مشاعرها وغرابة حالتها ، يحاول البعض أن يجعل لهذا المونتاج رموزا تدل على محتوى الفيلم ويرجعونها إلى رموز سبق أن ظهرت في أفلام سابقة لبيرجمان ، قد يبدو ذلك بالنسبة لي متكلفا نوعا ما ، حيث أعتقد أن ما أراده بيرجمان هو أن يعكس لنا طبيعة الفيلم بمثل هذا الطباق البصري والمونتاج والتصوير ذو الطبيعة المقلقة ، لا شك أن الرمز جزء رئيسي منه ولكنه ليس بهذه الكثافة ، لا أعتقد ذلك .

نفس طريقة هذا المونتاج سيعود في منتصف الفيلم تحديدا بعد عودة ألما بعد قراءتها لرسالة إليزابيت ، هذه العودة أراها تمثِّل أن الفيلم عاد ليبتدئ ولكن على مسار مختلف .
لعل من أفضل ما في الفيلم هي بلاغة الصورة التي أصبحت رمزا من رموز الفيلم ، بل ومن الرموز التي تدل على سينما بيرجمان عموما ،

بيرجمان عبقري في كيفية استعمال الصورة عموما ، يتمكن من تكييفها لتتلاءم مع طبيعة المشهد بحدثيته وحركيته وشخصياته ، واقعيا ونفسيا وشاعريا ، ومن أهم هذه العوامل التي يستخدمها في بلاغة صورته هو التصوير ، لديه القدرة الفائقة على اختيار زوايا التصوير التي يستطيع من خلالها إظهار ما يريد أن يظهره بأبلغ صورة وأجمل شكل ، وفي هذا الفيلم ومع العبقري السويدي الآخر ومصوره سفين نيكفيست الذي يعد واحدا من أفضل المصورين وخبيري الإضاءة السينمائيين على مدى تاريخها يقومان بعمل تصويري مذهل ، يفوق الوصف ، وتمكنوا من ابتكار صور لازالت تمثل إحدى العلامات الفارقة في تاريخ السينما ، الزوايا التي تتلاءم مع طبيعة المشهد وتقدم الوضعية النفسية للشخصيتين وكيفية استخدام الكاميرا أمام الضوء والتعامل مع الظل الذي يغطيه هو أمر مدهش ،

جزء كبير من علاقة المخرج بمصوره أن يكون بينهما تفاهم دقيق ، يُمكِّن المخرج من شرح وجهة نظره وكيفية رغبته في تصوير اللقطة ويستطيع المصور من خلال هذا التفاهم أن يطبق ما يريد المخرج بكل دقة واحترافية مطلوبة ، والعلاقة بين بيرجمان ومصوره المفضل نيكفست علاقة قوية للغاية في تفاهمها وقدرتهما على استيعاب بعضهما ،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:03 am

في هذا الفيلم تحديدا ، الصور تعد أهم عناصره ، حيث أن بيرجمان – كما سبق – أشار إلى أن الفيلم ( قصيدة في الصور ) ، فالصور تعبر تعبيرا دقيقا عما يريد إيصاله ، عن العلاقة الحميمية والصلة الغامضة الغريبة التي تربط بين هاتين الشخصيتين المتناقضتين اللتان لا يجمع بينهما شيء ، ولذلك جاءت الصور معبرة عن وجود صلة خفية بينهما ، وهذا أمر ظاهر في صور عديدة في الفيلم أصبحت إحدى الرموز في أفلام بيرجمان ، كالصورة التي تجمع بينهما في الحلم السريالي أحد أفضل مشاهد الفيلم وأكثرها قوة وغموضا تأثيرا ، والصورة عندما قدم الزوج ليضع الكلوس أب إليزابيت في المقدمة وخلفها ألما مع الزوج بشكل غريب ومعبر للغاية ، وكالصورة الشهيرة التي تقسم وجه الاثنتين وتجمعهما في وجه واحد ، والصورة الأخرى في آخر الفيلم عندما تقف ألما أمام المرآة وتحرك شعرها لتمتزج الصورة من الحلم عندما حركت إليزابيت شعرها بنفس الطريقة ، وغيرها ، فالفيلم ككل ( قصيدة مصورة ) ، وكلها صور تدل على وجود صلة غامضة وغريبة بين هاتين الشخصيتين ، وهذا بالضبط ما أراده بيرجمان ، حيث أن الرمزية التي تنبثق من الصور تتمكن من تركيبها مع بعضها وكأنها جملة مفيدة ، وعلى حسب ما تريد ، فعلى سبيل المثال الصورة الأخيرة عندما تقف ألما أمام المرآة قد تراها رمزية على اعتبار أنهما يمثلان شخصية واحدة ، وقد تراها على العكس وهي أن ألما تذكرت جملتها حينما قالت ذات مرة أنها نظرت لنفسها مرة في المرآة فلاحظت أنها تشبه إليزابيت وتذكرت معها صورة حلمها ، فكلى الاحتمالين قابل للحقيقة .

( الكلوس أب ) أو التصوير المقرَّب أحد أهم سمات سينما بيرجمان كما تحدثنا في فقرة أسلوبه ، وفي هذا الفيلم يعتمد اعتمادا كليا عليه ، حيث أن بيرجمان – كما سبق أيضا – يعتمد على الوجه الإنساني كمعبر أساسي عن الأزمة ، وبما أننا في فيلم مركز تركيزا كليا على دراسة هاتين الشخصيتين ، الأولى مندفعة ومنفتحة وساذجة ، والثانية غامضة وصامتة وجامدة ، فالتركيز على تعبيرات الوجه عبر الكلوس أب أفضل طريقة يتمكن من خلالها بيرجمان تجسيد مصداقية تفاعلاتهم وانفعالاتهم وتعبيراتهم ، نلاحظ هذا كثيرا في أغلب أفلامه ولكن بشكل مركز في فيلمنا هذا وفيلم ( صيحات وهمسات ) .

ولك أن تشاهد كيف صور مشهد الكلام المندفع الذي قالته ألما لإليزابيت عن ابنها في مشهد الخمس دقائق ، بيرجمان يرى أن من المعهود أن تركز الكاميرا على وجه المتحدث ، لان هذا هو الطبيعي والمتعارف عليه ، ولكن ماذا عن المستمع ؟ ، أليس من المهم أن نشاهد ردة فعله ؟ ، وهنا نعود إلى نقطة أهمية الوجه الإنساني في التعبير ، ولذلك فإن بيرجمان يقوم بعمل غريب لم أشاهده من قبله ، يضع الكاميرا أولا على وجه المستمعة إليزابيت !! ، لماذا ؟ ، لأن بيرجمان رأى أن من المهم ( وربما أهم ) أن نرى تفاعل المستمع الذي يقع عليه الكلام ، لأنه الطرف المؤثر في هذا الحوار ، وهناك في هذا المشهد تقوم الممثلة ليف أولمان بمشهد عظيم ، إن من الصعوبة أن تتكلم ببلاغة مدهشة عن طريق تعابيرك فقط ، ثم يقوم بعده بإعادة ذات المشهد بنفس الكلام ولكنه يضع الكاميرا هذه المرة على وجه ألما ! .

واحد من أشهر المشاهد في الفيلم هو مشهد الممرضة عندما تكشف عن مغامرتها الجنسية على الشاطئ ، في واحد من أقوى المشاهد التي تحتوي على وصف دقيق للشعور الأنثوي الجنسي ، مشهد يحبس الأنفاس ليس لطبيعة المشهد وإنما لقوته وجراءته وبراعة ممثلته مما يجعلك تحس به إحساسا صادقا وعميقا ، وهو أمر يبرع فيه بيرجمان كثيرا حيث يتمكن دائما من اختراق أعمق المشاعر والأحاسيس الكامنة في المناطق الحساسة من نفسية المشاهد ، ولديه القدرة على ملامستها وتحريكها بقوة حواره وبلاغة صورته وسطوتها وبراعة ممثليه الذين يتمكنون من نقل تلك المشاعر الغائرة ، وقد كان هذا المشهد في ذلك الوقت تحديدا جريئا للغاية ، يعكس جراءة بيرجمان المعتادة ( تذكر مشهد كارين في صيحات وهمسات ) .

الأداءات محصورة بين ممثلتين فقط ، حيث لا يوجد في الفيلم كله سوى أربع شخصيات ، اثنتان منهما ثانويتان ،

ليف أولمان تقدم هنا أداء رائعا للغاية ، في أول تعاون بينها وبين بيرجمان ، وهو التعاون الذي سيقودهما نحو الاشتراك في أعمال كثيرة والانخراط أيضا في علاقة عاطفية ، ولنترك أولمان تصف كيف كان دورها هنا حيث تقول :
( كنت صامتة في أغلب مشاهد الفيلم ، في البداية ظننت بأن ذلك سيكون رائعاً .. أن أكون صامتة ولا أقول شيئاً ، وبالتالي ستكون شخصيتي غامضة ، لكن بعد فترة ؛ بدأت أشعر بالإحباط من كوني لا أنطق ، فقد كان عليَّ أن أكون فاترة ومنطوية على ذاتي ، كان عليَّ أن أخفي مشاعري وأُقـنِّعها ، وفي الوقت ذاته يتعيّن على أن أظهر كل شيء .. كان ذلك صعباً للغاية )

شخصية إليزابيت في هذا الفيلم واحدة من أصعب الشخصيات التي تناولها بيرجمان في أفلامه ، محطمة ، ولكن تحطيمها غامض ، مضطربة ، ولكن اضطرابها مستتر ، يجب أن تتحدث بكيفية تفاعلها مع ما يحيط بها ، من أحداث وشخصيات ، ولذلك اعتمدت أولمان على مبدأ تمثيلي شهير يدعى ( البانتوميم ) وهو أسلوب تمثيلي اعتمد عليه الممثلون في السينما الصامتة حيث يعتمد على لغة الجسد كمعبر أساسي ، وحينما نركز في أداء أولمان نلاحظ انها تمكنت من أن تتكلم بصمت ، وان تصرخ بهدوء ، فملامح وجهها الهادئة وتعبيراتها الصارخة الغامضة تستطيع إيصال ما تحس به الشخصية في داخلها ، أعتقد ان أداءها في هذا الفيلم كان يمثل تحديا كبيرا لها على اعتبار صغر سنها ( 24 سنة ) وكونها تمثل اول مرة مع بيرجمان وهو مخرج ذو نفس خاص قد تصعب متابعته وإرضاء غروره .

بيبي أندرسون كانت المحرك الأساسي للفيلم ، فهي التي تتحدث وهي التي تتفاعل وهي التي تتحرك ، إنها الشعلة التي يقتبس منها الفيلم حرارته ، جمالها الفاتن الصبياني البريء وصوتها العذب ساهم كثيرا في قوة أدائها ، ومكَّنها من أن تمتلك تلك الكاريزما الطاغية التي تجبرك – كمُشاهد – على متابعتها ،

(لقد شاهدت فيلم بيرجمان "برسونا" مرات عديدة ، وفي كل مرة كان الفيلم يهبني شيئا جديدا . كعمل فني حقيقي وصادق ، هو دائما يتيح للمرء أن يتصل على نحو شخصي بعالم الفيلم ، وفي كل مرة يفسره على نحو مختلف ) أندريه تاركوفيسكي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:04 am

The Seventh Seal – 1957




لا شك أن هذا الفيلم هو أحد أشهر أفلام بيرجمان على الإطلاق ، وأكثرها طلبا من قِبَل عشاقه ، ولا يخفى أن جوهر الجاذبية الحقيقية في الفيلم متجسدة في فكرته العبقرية ، التي تنضح بالغرابة الجذابة التي تجبرك على التساؤل عن الفيلم ،

رجل يلعب الشطرنج مع الموت ، والرهان حياته ، فإن فاز ظفر بحياته ، وإنِ انهزم استولى الموت عليها ،

هذا الرجل هو أحد فرسان الحروب الصليبية ، يدعى أنطونيوس بلوك (Max von Sydow ) ، عائدٌ إلى دياره برفقة خادمه المخلص جونز (Gunnar Björnstrand ) ، وفي طريقه للعودة يلتقي بالموت مُمَـثَّلاً في شخصٍ يتلفَّع بعباءة سوداء ملامحه توحي بالقسوة وتجبرك على الرهبة ( قام بأدائه الممثل Bengt Ekerot ) ،

الفارس جاهز للرحيل ، ولكنه يطلب من الموت مهلة عبر لعبة الشطرنج لكي يحاول التوصل إلى إجابة عن تساؤلاته وعن حقيقة إيمانه ، وعن حقيقة الرب ، وهو ما يصرح به في مشهد الاعتراف في الكنيسة ، وهو واحد من أذكى مشاهد الفيلم ، الحوار الذي دار بين الفارس الذي كان يظن أنه يتحدث إلى القس بينما كان يتحدث للموت ذاته يُلخِّصُ تماما ما الذي يريده الفارس ، إنه يطلب مهلة من الموت لكي يحصل على المعرفة اليقينية التي من خلالها يتمكن من إثبات إيمانه ، إنه لا يحبذ الكفر والإلحاد ولكنه أيضا لا يستسيغ الإيمان المجرَّد ، وهي حالة معقدة ، حيث نقف أمام رجل تربى على مبادئ الدين حتى اشرأب بها ثم ألقى بنفسه في سبيلها نحو الموت والحروب ليواجه هناك ، في ذات المكان الذي ذهب إليه لأجلها ، ما زعزع إيمانه ، ليقف بين المطرقة والسندان ، بين الرغبة والنفور ، بين الشك والإيمان ،

وبعد أن يتفقا على شرطهما ورهانهما يمضي كل من الفارس وجونز في طريقهما ليمرا بشخصيات مختلفة ومتعددة ، لها دور كبير في التأثير على مسار الفيلم في إسقاطاته ورمزياته ،

ومن المتعارف عليه سينمائيا أن بيرجمان عبقري في كيفية انتقائه لشخصياته ، وفي هذا الفيلم يبدع إبداعا منقطع النظير ، نقف أمام شخصيات تنتمي إلى انتماءات مختلفة ، إيمانية وفكرية وأخلاقية وإنسانية ،

الفارس يمثل الجزء الضائع ، التائه ، الذي يبحث عن إيمانه المفقود ، يتساءل إن كان أمضى حياته في خدمة وهم زائف ، وخدعة اخترعها الناس ليغطوا خوفهم من الموت ،

خادمه جونز يمثل الشخص الملحد ، الذي سلخته مآسي الحياة من الإيمان ، وفي هذا الشخص نجد المرح والفرح ، وهو الأمر الذي تؤكده فلسفته حيث يرى أن الحياة منفردة لا آخرة تتبعها وبالتالي فإنه لا يملك إلا أن يعيش حياته ، بعكس غيره ممن آمن فأخذ ينظر في خياراته الدنيوية لكي تتماشى مع متطلباته الأخروية ،

عائلة الممثلين جوف وماي يمثلان الشخصية البسيطة ، التي يمثل الإيمان لديها شيئا أساسيا لا تفكر في مدى صحته بقدر ما تقدسه ، لا يأبهون بشيء سوى بعائلتهم وسعادتهم ، وهؤلاء سبق أن أشرت في أكثر من موضع أن بيرجمان يغبطهم كثيرا ويُظهرهم دائما بمظهر البسطاء السعداء ،

وزميلهم سكات الذي يميزه سوء أخلاقه ورداءة طبعه وهو يمثل شكلا من مخلفات الحرب وما تنتجه من أشخاص على هامش الإنسانية لا يتميزون سوى ببذاءتهم ،

الحداد وزوجته التي هربت مع سكات وذهب زوجها بدوره ليبحث عنها ، فالزوجة تمثل تلك المرأة المضطربة التي تقوم بكل ما هو طائش في سبيل سعادتها النسبية ، ولكن الزوج يتبعها حيث يرى فيها الحب الذي يعذبه ويثقل كاهله ،

الفتاة الخرساء ، والتي تمثل المأساة الحقيقية لما يمكن أن تصل إليه الحروب ، مات جميع من في قريتها حتى أصبحت – وبشكلٍ غير مألوف – تتحسَّسُ وجود الموت وإن لم تشاهده ، لا تنطق في الفيلم بأي كلمة سوى في المشهد قبل الأخير عندما يقابلون الموت ،

رافيل ، يجسِّد الشخص السيئ الذي يقود الناس إلى حتفهم بَـيْد أنه يبتعد عنه ، وهو بذلك يمثِّل انعكاسا لرجال الدين الذين كانوا سببا رئيسيا في غرور الناس وخروجهم لهذه الحروب تحت وطأة وعود زائفة وشعارات كاذبة ،

زوجة الفارس كارين التي تمثل تلك الصفوة من النساء الذين أضاعوا حياتهم وشبابهم في انتظار أهلهمُ الذين غابوا في معمعةِ حربٍ أكلت الأخضر واليابس ، ولم تُبقي لها سوى الحسرة الظاهرة على وجهها ،
في هذا الفيلم يقدم بيرجمان صورا متعددة للبشر ، في أحلك الأوقات ، ويبيِّن أن الإنسان لا يظهر معدنه وحقيقته إلا في الشدائد ، وأنه معتدٌّ بذاته يتميز بما يحمله من طبائع وخصال وليس بما يدَّعيه أو ينتمي إليه ، تستطيع من خلال مشاهدتك لهذا الفيلم أن تتعرف على أشكال البشر وما تخلِّفه الحروب فيهم ، إيمانهم ، وشكوكهم ، ومبادئهم ، وكيفية تفاعلهم مع ما يحدث من حولهم ، إن هذا الفيلم درس مجاني يقدمه بيرجمان في كيفية بناء الشخصيات , وكيفية جعلها – في تكوينها الشخصي – جزء من الدلالة على مضامين الفيلم ،

يقدم بيرجمان في هذا الفيلم رؤية فلسفية رمزية حول الحياة والإيمان والموت ، ويتساءل حقيقة عن جوهر الموت ؟ ، هل هو عمل شيطاني يقوم به شيطان ، ام هو عمل رباني يقوم به ملك مكلف ، أم أنه عبثي لا مرجعية له يستل الأرواح من الأجساد بلا أي اعتبارات ، ما هو هذا الموت بالضبط ، هل هو حسيٌّ يُرى ويُشاهد ، أم أنه معنوي لا يُلاحظ ولا يُدرك ؟

سبق أن قلت أن بيرجمان يتحدث كثيرا عن الموت ، ومن خلال زوايا مختلفة ، هنا يتحدث عن الموت من منظوره الإيماني ، والذي ينعكس على الشخصية وتركيبتها ، بيرجمان في هذا الفيلم ينظِّر أن الموت سبيل لاكتشاف الإنسان حقيقة إيمانه ، بعكس ما سنشاهده في ( التوت البري ) مثلا ، فالموت هنا وسيلة لمعالجة الشك الإيماني بالله ، ومن خلاله يحاول الفارس وهو شخصيتنا الرئيسية تحديد قيمه الإيمانية وإعادة صياغتها ، يريد من خلاله المعرفة المجردة – كما يقول في مشهد الاعتراف – لا الإيمان ولا مجرد الظن .

اختار بيرجمان حقبتان زمنيتان تتزامنان مع رحلة العودة لفارسنا ، حقبة الحروب الصليبية ، وحقبة الطاعون الذي اجتاح السويد ،

اختار هذان الزمنان لسبب معين ، لأنه يتحدث عن الإيمان بالله وعن حقيقة الموت والخلود السرمدي ، وهو الذي من أجله ضربوا مراكبهم نحو حروب جرت عليهم الويلات ، والتي تفترض أن تكون مقوية لإيمانهم ، إلا أن ما يحصل هو العكس تماما حيث يتلاشى إيمانهم جراء ما يرون فيها من دمار وخراب ،
والحقبة الزمنية الثانية هي حقبة الطاعون لكي يثبت أن الشك قائم مقام التأكيد في وجود مصدر إلهي حضهم على القيام بهذه الحملات ، ولذلك فإن بطلنا لا يكفر عيانا بيانا ، بل يريد مجرد الإجابة على أسئلته ، وهذه هي في الأصل حال بيرجمان ، حيث أنه ليس ملحدا بالمعنى المعهود ، بل هو ضائع وتائه ، إلحاده الصريح هو توقفه عن الإيمان ، وليس إنكاره المجرد .

في كل مرة يدور الحديث حول هذا الفيلم ، يكثر النقاش بشكل مستفز – بالنسبة لي – حول مضامين مشهد رقصة الموت الأخير وكيفية ربطه بالأحداث ،

والحقيقة أن هذا المشهد رمزي إلى أبعد الحدود ، فلسفي بشكل كبير ، لا يعكس تسلسل القصة وحبكتها ، ومشكلة بعض الناس انه يتعامل مع هذا الفيلم كما يتعامل مع غيره ، ولا يعلم أنه فيلم فلسفي ، تأملي إلى ابعد الحدود ، تتداخل فيه الأحداث مع الإسقاطات والرؤى والرمزيات تماما كما نراها طاغية بشكل مفرط في ( أحلام ) تاركوفيسكي ، لم يركز بيرجمان في هذا الفيلم على الحبكة التي تسير من خلالها القصة ، بل على المعالجة والرمزيات والإسقاطات ، ولذلك فالمشهد الأخير لا يجب ان يفسر على أنه تتابع في الأحداث ، بل أراه مشهدا رمزيا فلسفيا منفردا ، وكأنه النهاية التي تشرح فكرة الفيلم عموما ولا علاقة لها بما سبق ،

فكرة الموت هنا في المشهد الأخير أنه لا يأتي إليهم ككارثة بل كواقع حياتي ، ولذلك فإننا نراهم يرقصون فوق التل ، مصطفين خلف بعضهم وكأنه تعبير عن أن دورهم قد حان ، وان الموت ليس أمرا يجب أن يُخاف منه أو على العكس أن يتمناه البعض الآخر ، بل هو مجرد مآل سوف ينتهي إليه الجميع و سيذهبون في طريقه بسلام وهدوء وسكينة ، سواء كان هنالك جنة أو نار ، أم كان مجرد عدم ، فالكل سيموت لا محالة وسوف يمشي على ذات الصراط ، بلا مخاوف ، بلا اتهامات ، بلا أحزان ، وتلك عبقرية بيرجمان الكامنة في سوداويته ، حيث ينظر إلى الموت هنا نظرة مختلفة ، نظرة أكثر هدوء وشاعرية وتفهما وعمقا لحقيقته المغيبة ، بعكس ما شاهدناه في تحفته الأخرى ( صيحات وهمسات ) .

عائلة جوف وزوجته وابنه يمثلون الأمل الذي ينسل من بين الظلام ، هذه العائلة تحمل من السعادة والطمأنينة ما لا تحمله الشخصيات الأخرى ، ولذلك يجعلها بيرجمان تمثل الأمل بهروبها عندما شاهد جوف ملك الموت يلعب مع الفارس كنوع من الرؤية الروحانية التي يتميز بها ، ولأن الفارس تمكن من إلهاء الموت عن رؤيته لهروبهم بإلقائه للبيادق ليصرف انتباهه وعندما سأله الموت هل استفاد من تأخيره هذا أجابه الفارس بنعم فرد عليه ( أنا سعيد ) ، لأنه عرف انه بتأخيره هذا تمكن من إنقاذ العائلة قبل أن يفوز الموت وحينها سيُـثبت على الفارس بما لا مفر منه أنه سيموت ومن معه ، وفي تلك اللحظة لم تكن عائلة جوف معه حيث لاذوا بالهرب ،

ورؤية جوف للموت ليس خرقا لواقعية الشخصيات وإنما هي طريقة من خلالها يتمكن بيرجمان من إيصال هذه الرسالة ، تماما كما فعل كوروساوا في ( راشومون ) عندما جعل الزوج المتوفى يتحدث عن طريق المرأة الروحانية ، هي كلها طرق يلجأ إليها الكاتب أو المخرج لإيصال المعنى .

أما بالنسبة للمشكلة التي تحير أكثر المشاهدين ، وهو عدم وجود كل من كارين والفتاة الخرساء في مشهد رقصة الموت ، فهي إحدى أكثر الألغاز المحيرة في الفيلم ، حيث يثبت جونز في رؤيته أن الموجودين في الرقصة الأخيرة هم : الفارس ، جونز ، الحداد وزوجته ، رافييل ، سكات ، السؤال لماذا تم استبدال كل من الفتاة الخرساء وكارين زوجة الفارس بسكات ورافاييل ، حيث أن الموت قال للفارس ( في المرة القادمة ستموت أنت وأصدقاؤك ) ، سكات ورافييل ليسوا ضمن هؤلاء الأصدقاء ، كما أنهم ماتوا أصلا قبل مقولة الموت هذه ، كما ان كارين زوجة الفارس لم تكن ضمن هؤلاء الأصدقاء ، فما الذي حدث بالضبط ، في اعتقادي وهو الأمر الذي يذهب إليه الأغلبية أن رؤية جوف ليست مرجعا يجب ان يعتمد عليه ، وأن المشهد الأخير كما قلت مشهد فسلفي منفصل تماما عن الفيلم .

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:04 am

يثبت بيرجمان في هذا الفيلم أن الموت عبثي إلى أبعد الحدود ، لا يُشترط فيه توحُّد الأسباب والمسببات ، حيث ينجو الفارس وجونز من حرب دامت عشر سنوات ليموتوا حينما يعودون هكذا وبكل بساطة ، وينجو سكات من الحداد حينما همَّ بقتله لهربه بزوجته ليسا وذلك عندما خدعه بتظاهره بالانتحار بسكين مزيفه ليموت فوق الشجرة ، والفتاة الخرساء حينما نجت من قرية هلكت بأكملها جرَّاء الطاعون لتموت في القصر ، إن الموت غير محكوم بالحذر ، ولا يتقيد بالمنطق ، بل يحدث هكذا ، وبدون أسباب ، هكذا يرى بيرجمان هنا .

كثير من المشاهدين يعتقد اعتقادا خاطئا أن الفيلم سيقدم أجوبة على الأسئلة التي يطرحها ، عن حقيقة الموت والحياة والإيمان وينتظر منه أن يقدم تحليلا لشخصياته ، ولكن مثل هذه الأفلام لا تسير على هذا المنهاج ، إنها أفلام تأملية وفلسفية تطرح شخصياتها محملة باتجاهاتها وانتماءاتها وتكثف من الإسقاطات الرمزية ، إنها تحاول أن تعكس الحقيقة الحياتية الغامضة حول كل شيء ، ولذلك فإن الفيلم يختلف من فرد لآخر ، وكل شخص سوف يندمج مع شخصية محددة في الفيلم ، فمن الناس من يعجب بشخصية الفارس ، حيث يرى فيه الحيرة والشك الذي أضناه ، والبعض يعجب بالخادم جونز حيث يرى فيه الشخص المرح الذي يعيش يومه ليومه ، والبعض يرى في عائلة جوف الشخصية التي يندمج معها لما لها من حس طريف وبساطة حياتية مدهشة وطمأنينة روحانية ، وهلمَّ جرَّا ، إن هذا الفيلم لا يقدم الحلول بل يطرح الأسئلة والمشاكل ، مجردة من كل جواب ، وكأنها تساؤلات يطلقها كاتبنا ومخرجنا ، ويحاول أن يفلسفها بما تحمله من سوداويتها وغموضها .

إن هذا الفيلم مثال من أروع الأمثلة لتلك الأفلام السوداوية التي تحتوي على كوميديا سوداء رفيعة المستوى ، فبيرجمان قبل أن يتجه إلى هذا النوع من الأفلام التأملية الفلسفية السوداوية كان قد قام بكتابة وإخراج كثير من الأفلام الكوميدية الشهيرة ، لعل أفضلها وأشهرها رائعته Smiles of a Summer Night ، وقد قدم قبل ولوجه إلى عالم السينما عندما كان مخرجا مسرحيا عديدا من المسرحيات التي وصفت بالكوميدية ، ولكنها بالطبع كوميديا سوداء ، تتماشى مع طبيعة بيرجمان وتركيبته .

كما قلت سابقا ، أن بيرجمان أحد أبرز شعراء السينما ، وفي هذا الفيلم يتغنى بشاعريته هذه وكأنها عبارة عن قصيدة متنوعة ، تحتوي على شتَّى المشاعر المختلفة التي تتراوح منذ بداية الفيلم وحتى نهايته بين الرهبة والخوف والطمأنينة والسعادة والشك واليقين ، يبدع كثيرا في توجيه الكاميرا بقيادة مصوره البارع Gunnar Fischer ، ويتفنن في كيفية بناء مشاهده وقيادة ممثليه ليقدم من خلال ذلك فيلما شاعريا ينضح بروحانية عجيبة وغريبة ،

لنشاهد ذلك المشهد عندما اجتمعوا ليأكلوا التوت البري ويشربون الحليب ، تلك اللحظة العابرة من الصفاء النقي – كما يصفها الفارس – ، مشهد عذب يتسلل من بين ثنايا فيلم شديد السوداوية بائس الأفكار ، تحس فيه بتوهج شاعري واهتياج عاطفي وشعوري ، يتمكن من سلخك وبكل انسيابية من سوداوية الفيلم عموما ليحسسك بجمال هذه اللحظة .

بقي أن نشير إلى أهم مشاهد الفيلم ، وهو مشهد النهاية المسمى بـ ( رقصة الموت ) ، هذا المشهد ( الذي هو عبارة عن لقطة ) أحد أشهر المشاهد في تاريخ السينما ، والعجيب أن القصة التي تقف خلف عملية تصويره تبعث على الضحك ، ولنجعل بيرجمان هو من يخبرنا عنها :
( المشهد الأخير عندما يرقص الموت مع المسافرين ، تم تصويرها في هوفس هولار ( مرتفعات في السويد ) ، وكنا قد عزمنا على الرحيل ذلك اليوم بسبب عاصفة قادمة ، فجأة لمحت غيمة غريبة ، غانر فيشر ( المصور ) بعجالة شديدة أعاد الكاميرا في مكانها ، أغلب الممثلين عادوا إلى المسكن الذي كنا فيه ، فاستخدمنا بدلا عنهم بعضا من السيَّاح الذين أخذوا يرقصون وهُمْ لا يملكون أدنى فكرة عما يقومون به ، الصورة أو اللقطة التي أصبحت فيما بعد شهيرة للغاية لم تستغرق عملية تصويرها سوى بضع دقائق ) !!! .

الأداءات هنا كما هي في أغلب أفلام بيرجمان متقنة ، ورائعة ،
Max von Sydow الممثل المفضَّل لدى بيرجمان ، حيث عمل معه اثنا عشر فيلما ، يقدم هنا أداء رائعا وتقمصا شديدا لشخصية الفارس ، المحطم ، التائه ، الضائع ، السجين في ذاته ، ملامح بؤسه وحزنه واضطرابه ظاهرة في وجهه ، تتكلم بصوت غير مسموع ،

Gunnar Björnstrand ممثل له طعم خاص ، خصوصا في فيلمنا هذا ، كان بكل حق فاكهة الفيلم بتعليقاته اللماحة وكيفية إظهاره لمشاعره وشرحه لأفكاره ، لقد أعطى لشخصية الخادم جونز شكلا كان لا يمكن أن يكون هكذا إلا بفضله ،

باقي الأداءات كانت جيدة ، وبعضها لا بأس بها ، والبعض الآخر تظهر عليه علامات التكلف والتصنع .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:06 am

Wild Strawberries - 1957



شخصيتنا الرئيسية البروفيسور إسحاق عاش طوال حياته في عزلة شديدة ، في الوقت الذي يبدو أنه يمتلك كل شيء ، السمعة الطيبة ، المكانة الاجتماعية الرفيعة ، الإسهامات الشخصية الكبيرة ، المستوى العلمي والعقلي ، المال الوفير ، الكاريزما الاجتماعية ، ولكن رغم ذلك كله فإنه يبدو وحيدا ، منغلقا ، منعزلا ، عزلة مزدوجة من الظاهر حيث لا يرتبط بمن حوله ارتباطا وثيقا وعزلة من الداخل حيث لا يتجاوب عاطفيا ولا يتشارك الحياة بكل صورها مع غيره ، وتمثل هذه الرحلة انعطافا في حياته الروتينية مما يجعله يواجه كثيرا من التساؤلات والمخاوف والأفكار التي كان يخفيها في أعماقه ، حيث تطفو على السطح تساؤلات كثيرة ، وحقائق يواجهها في أحلك صورها ،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:06 am

هذا الفيلم يُعد واحدا من أوائل أفلام بيرجمان التي أطلقت اسمه كواحد من أبرز صناع السينما حول العالم ، وخصوصا أنه تزامن في سنة صدوره مع تحفته الأخرى ( الختم السابع ) ، وفي رأيي أن هذا الفيلم بجانب تحفة كوروساوا ( آيكرو ) أفضل ما تم صناعته في تاريخ السينما حينما نتكلم عن الأفلام التي تتحدث عن شخصيات تنتظر الموت ، وتحتضر في حياتها الباقية منتظرة قدوم وفاتها ، وكيفية تجاوبها مع مخاوفها واضطراباتها .
أجمل ما في الفيلم ، انه يعالج مواضيع حساسة للغاية ، لنا جميعا كمشاهدين ، الحياة ، الإنجازات ، الرضا ، الحب ، المشاعر ، ويتحدث أيضا عن ما يمثِّل مخاوفنا الرئيسية : الوحدة ، الضياع ، الشيخوخة ، ثم الموت ، مما يجعلك تقف أمام فيلم يواجهك – عبر شخصيته الرئيسية – ليطرح لك هذه الأسئلة ويجبرك على محاولة الإجابة عليها ، ولا يتجه نحو فرض ذلك عبر انعطافات فلسفية معقدة أو تحليلات نفسية متشعبة ، بل يرويها من خلال قصة بسيطة عن رجل كبير في السن يسافر مع زوجة ابنه لكي يتسلم جائزة تقديرية عن إنجازاته كطبيب متمكن ،

ويواجه إسحاق بخلاف الأسئلة الذاتية حقيقة ما ينظر إليه الناس ، أنانيته ، تكبره ، اعتداده الشديد بنفسه واحتقاره لمن هم دون ، انعدام اهتمامه لغيره حتى وإن كانوا أقرب الناس إليه ، نفاقه وزيفه ، بروده الشديد وانعدام إحساسه ، مما يجعله ينظر إلى نفسه بصورة مختلفة تماما ، وإنها لمعضلة حقيقية وأزمة شخصية أن تنظر إلى نفسك بطريقة المتَّهم في هذه السن المتأخرة وتُشكك في سلامة طباعك ، حيث تثبت على نفسك بهذه الطريقة أنك قد عشت طوال حياتك الماضية كرجل لا يطاق ، يملك من العيوب ما ينفر غيره عنه ، وما يجعله خلاف ما يبدو عليه ، وأن السن لم يعد كافيا لإصلاح ما قد فسد ، وخصوصا عندما لا يكون هنالك أحد يستحق هذا الإصلاح الذاتي ، ليس على الأقل "بعد خراب مالطة" ،

إننا نقف أمام رجل شبه محتضر ، تتساقط أمام ناظره حياته ، حيث أن الثيمة الأساسية في الفيلم تدور حول الموت ، ومفهوم الموت هنا مختلف عما نجده في أغلب افلام بيرجمان ، إن مفهومه هنا مقارب لمفهومه في تحفة كورورساوا ( آيكرو ) ، وهو أن إدراك الإنسان لموته المحتم والوشيك يحدد قيم حياته ، حيث يحاول العودة بالذكريات الغابرة إلى ماضيه لكي يحاول تحديد قيمه وأن يقيِّم ما قدم في حياته وما قدمه الآخرون له ، إنها أشبه ما تكون بمحاولة استيعاب الحياة لكي يتمكن من استقبال الموت ،

التوت البري بالنسبة لإسحاق يمثل الماضي ، حيث يصف بيتهم الصيفي المهجور حينما وقف عليه بالمكان الذي ينبت فيه التوت البري ، وعندما سمَّى بيرجمان الفيلم هكذا كان يقصد أن العنوان يرمز إلى الذكريات التي حملها إسحاق في ذلك البيت ، بل وأوسع من ذلك ، الذكريات التي حملها في ماضيه عموما ، والتي عادت له مسائلة ومتهمة ،

الوحدة ، يشير إليها بيرجمان كثيرا في أفلامه ، وفي هذا الفيلم تطغى بشكل كبير ، فلسفة الوحدة ، وحدة الإنسان في محيطه حيث لا أحد حوله ، ووحدة الإنسان في ذاته حيث لا يتَّصل شعوريا وعاطفيا بغيره ، تبرز بشكلٍ مفرط في هذا الفيلم ، في ( صيحات وهمسات ) نلحظ عزلة ذاتية تعاني منها كل الشخصيات وانفصالا كليا عن بعضهم البعض ، في هذا الفيلم تبرز هذه الوحدة متماشية مع وحدته الحقيقية التي يعاني منها ، إن إسحاق يخشى كثيرا من الوحدة ، يخافها بشكلٍ كبير ، حاول بشكلٍ مستمرٍّ أن يحافظ على زواجه المتهاوي ، ليس إلا ليهرب من براثن الوحدة ، وما إن يواجه تلك الأسئلة والاتهامات الذاتية حتى يكتشف بأنه كان وحيدا طوال حياته ، وأن وحدته الذاتية قد عَزَلَته عن التجاوب مع غيره ونفَّرت جميع من يهتم به عنه ، حتى أنه لبرودته لم يعد يهتم بخيانات زوجته له .

الفلاش باك في الفيلم كان إبداعيا بشكل كبير ، حيث يتماشى مع ما يحدث في الوقت الحالي ، فليس عبارة عن فلاش باك مستقل كالذي رأيناه في ( المريض الإنجليزي ) أو ( المواطن كين ) مثلا ، بل هو مرتبط بالحدث ،
كما نلاحظ أن إسحاق الصغير لا يظهر أبدا في الفلاش باك ، حيث يظهر إسحاق المسن دائما حاضرا في خضم ذكرياته وكأنه يعاينها معاينة حاضرة كأحلام اليقظة ، وكأنه يعيش فيها وينغمس في معايشتها ، ولذلك يحذف بيرجمان حضور إسحاق الصغير ، نرى الانطباع الذي يخلفه إسحاق الصغير فيمن حوله ، فنشاهد وصفا مختلفا عن إسحاق المسن ، حتى لتكاد تقول أنه شخص مختلف ، وعندما يقف عند محطة البنزين التي تقع في قريته التي تربى فيها يذكر الزوجان اللطيفان عطفه وحنانه عندما كان فيها رافضين أخذ أي مبلغ مقابل خدمتهما ، ليرد عليهما قائلا أنه كان يجب أن يجلس فيها ، التغير الذي طرأ في شخصيته كامن في انسلاخه من حياته القديمة التي ضاعت فيها حبيبته من يديه وكانت طيبته سببا في وصفه بإسحاق الضعيف ، فكان انسلاخه من شخصيته هذه عبارة عن انتقال إلى شخصية معاكسة لها ، غير مبالية بغيرها غير مهتمة بما يدور حولها ، شخصية باردة أشد البرود ،

الكاميرا في هذا الفيلم كانت رائعة ، اعتمد بيرجمان كعادته على التركيز على الوجه الإنساني كمعبر أساسي ، كما أنه وبحرفية فائقة صور مشاهد الأحلام ( خصوصا مشهد الحلم الأول ) بطريقة مقلقة للغاية وسريالية نوعا ما ، هذا التصوير المقلق الذي نشاهده بارزا في اختيار الزوايا وطريقة التصوير عموما والديكورات أيضا وطبيعة الشخصيات فيه وكيفية استخدام الألوان التي تكوِّن شكل الصورة في أفلام الأبيض والأسود ( بيرجمان مبدع في هذا الجانب ) ، كل ذلك كان ضروريا ليجعل من الحلم الذي يفترض أن يكون تعبيرا نفسيا مباشرا لما يكنه بطلنا في اللاوعي ، ولذلك كان لا بد أن يخرج بطريقة غير اعتيادية ومقلقة ،

شاعرية بيرجمان في هذا الفيلم رائعة حد الإيلام ، موجعة بشكل كبير ، تجبرك على التأمل والتفكر ، تجبرك على الغوص في حياة إسحاق وتقييمه لحياته مما ينعكس عليك ويجعلك تفكر في قيم حياتك أيضا ،

هذه الشاعرية صاحبتها صورة في غاية البلاغة ، متقلبة بشكل كبير يتحكم فيها بيرجمان كما يشاء ، نشاهدها في الحلم الثاني تصطبغ بالقلق عندما ذهب لينظر في سرير الطفل ثم تتحول إلى معزوفة مؤلمة لرجل ينظر إلى خسائره بأم عينه عندما يقف على النافذة التي يرى من خلالها حبيبته ساره مع اخيه سيغفريد ، في واحد من المشاهد المؤلمة ، وكذلك نشاهد شاعريته المؤلمة في لقطة خاطفة من المشهد الذي أعقب الحلم الثاني عندما أتى الشباب ليهنئوه بطريقتهم بالزهور التي قطفوها وهو قابع في السيارة يحاول تصنع البسمة والبهجة التي تتسلل من بين كل تلك الأفكار والهواجس والذكريات المؤلمة ليسيطر السواد على من حوله كتعبير عن عزلته الذاتية التي تمنعه من الاحتفال والتجاوب وتُقْـبِلُ الكاميرا مركزة على ملامح وجهه الموغلة في الحزن تصحبها تلك النغمة الموسيقية البائسة ، تحس في تلك اللقطة الخاطفة تحديدا بمدى انعزالية وبؤس هذا الرجل .

هنالك إشارة دقيقة للغاية في احد المشاهد ، وهو عندما كانوا على الغداء وأخذ يُنشد إسحاق قصيدة دينية فسأله أحد الشابين ( هل أنت متدين أيها الدكتور ؟ ) ، فنظر إليه إسحاق نظرة نفور واستحقار ولم يجاوب عليه وأكمل القصيدة متماشيةً مع معزوفة حزينة ،

إن بيرجمان لا ينظر إلى الدين بمنظار المؤمن والكافر ، بل ينظر إليه بمنظور فلسفي بحت ، إنه يرى في الدين راحة فكرية وروحانية ترتقي بالفرد نحو أقصى مراتب الأريحية ، كما يراه في العكس عذابا ذاتيا يفرض على الفرد التزاما عمليا وإيمانيا لا يتماشى مع المنطق الواقعي أو العقلي ،

السريالية في هذه الفيلم ليست أساسية كما شاهدنا في فيلم ( الشخصية ) ، بل استخدم بيرجمان بعض ملامحها كالأحلام الغير مفهومة والذكريات العكسية وما إلى ذلك ، واستعارها لكي يتمكن من ملامسة الجانب الخفي في شخصية إسحاق ، اللاوعي الذي انبثقت منه تلك الأحلام المكبوتة والذكريات المؤلمة ،

ومن المعلوم أن من أشهر المشاهد في هذا الفيلم هو مشهد الحلم الأول السريالي ، ومن الصعب تفسيره تفسيرا أكيدا ، على اعتبار رمزيته وسرياليته ، ولذلك فإن تفسيره مفتوح لكل شخص لكي يفسره بما يراه يتماشى مع طبيعة الشخصية ومضمون الفيلم عموما ،

من وجهة نظري ، تبرز الساعة بدون عقارب ، كرمز يدل على أن الوقت أصبح محدودا بالنسبة له وأنه لا يملك ميزة الإحساس بالوقت حيث أصبح على شفا حفرة الموت ، كذلك الشوارع الخالية من الناس ، وهو تعبير عن الوحدة الذي يواجهها ويعاني منها وأن الرجل الذي شاهده ولكنَّ وجهه لا يحمل تعابيرا واضحة تمثل علاقاته مع من حوله ، وعندما تمشي العربة التي تحمل جثته – وهو يراها – لترتطم بالعامود وتتوقف قليلا لترمي بالتابوت وتنطلق مسرعة ، هو تعبير رمزي يدل على أنه وإن كان حيا إلا أنه في حقيقته ميت ، وان وفاته كانت حتمية الوقوع سابقا ، إلا أن ذلك لم يحدث .

يُشبِّه البعض فيلمنا هذا بتحفة اورسن ويلز ( المواطن كين ) ، حيث التنقيب في حياة رجل مرموق انحدر من رفيع المنازل إلى وحدة قاتلة وفراغٍ عاطفي وعزلة ذاتية ، الفكرة الأساسية وطريقة العرض والفلاش باك تتشابه في الخطوط العريضة ، ولكنها مختلفة بشكل كبير في الأفكار والأساليب وطريقة التنفيذ ،

في المواطن كين أبدع ويلز سيناريوا يعتمد على واقعية المعالجة التي تنهج منهجا سرديا يعتمد على حكاية حياة كين منذ نشأته وحتى وفاته ، أما في التوت البري فاعتمد بيرجمان على الشاعرية في معالجته ، الشاعرية التي تنبثق من صورته المؤثرة وحواراته ورؤيته التأملية والفلسفية تجاه الحياة والموت والشيخوخة والوحدة .

Victor Sjöström ، اسم كبير في السينما السويدية ، يعتبره بيرجمان – حسب مقابلة أجراها مع الناقد الفرنسي جين برانجر – واحدا من أفضل صناع الأفلام على الإطلاق ، كان من أبرز مخرجي السينما الصامتة في السويد ومن ثم هوليوود ، حيث أخرج أفلاما كثيرة فيها لقيت ثناء نقديا جيدا ، ولعل من أهمها فيلمه الشهير ( الريح ) الذي كان ختامية أفلامه التي قام بإخراجها حيث فضَّل الانسحاب حينما استحل الصوت مكان الصمت في السينما ، ومن حينها خف نشاط فيكتور السينمائي ، فلم يقم سوى بتمثيل بعض الأفلام السويدية العابرة منها بعض أفلام بيرجمان الأولى ، إلى أن قدَّم له دور البروفيسور إسحاق ليكون الشخصية الرئيسية في فيلمه هذا ،

وياله من أداء ، لا أعتقد أن شخصية إسحاق ستكون بمثل هذا العمق والتأثير لو لم يقم فيكتور بأدائها ، إن أداءه هنا يتسم بتقمصه للشخصية تقمصا كليا ، تلحظ ذلك في نظراته وطريقة كلامه وتفاعله ، وكأن الشخصية مفصلة عليه تفصيلا دقيقا ، لا ننكر أيضا أن ملامح وجهه الحزينة والجامدة ساعدته كثيرا على ذلك ،

أداء فذ سيظل مخلدا في تاريخ هذا الرجل وفي تاريخ أفلام بيرجمان على اعتبار أنه واحد من أفضل الأداءات في أفلامه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:07 am

Autumn Sonata -1978



يكاد يكون هذا الفيلم واحدا من أفضل الأفلام التي وصفت العلاقات المتوترة بين الأم وابنتها .

نقف أمام شخصيات محطمة ولكن بطريقتها ، كما هي أغلب أفلام بيرجمان ، الأم شارلوت ، وابنتها إيفا وزوجها فيكتور ، وأختها هيلينا ،

شارلوت عازفة بيانو عالمية تتميز بشهرة كبيرة وسمعة طيبة ، كانت متزوجة بجوزيف وهو أب كل من إيفا وهيلينا ،

بسبب مكانتها وحجوزاتها في أشهر القاعات الموسيقية في العالم تضطر شارلوت للسفر كثيرا وهجران بيتها ، وقد يمتد غيابها أحيانا إلى شهور عديدة ،

يبتدئ الفيلم من الأخير حينما يعرض لنا الزيارة التي ستقوم بها شارلوت بعد وفاة صديقها ليوناردو إلى ابنتها إيفا وزوجها فيكتور وهيلينا ،

تظهر الشخصيات لنا محطمة منذ بداية الفيلم ، شارلوت توفي صديقها الذي عاشت معه سنوات عديدة وتركها وحيدة ،

إيفا وزوجها يبدوان كشخصين محطمين ، يغلب عليهما الجمود ، نعرف لاحقا أن ابنهما قد توفي غرقا قبل بضع سنوات ، وهو جرح لم يبرأ منه أي منهما ،

هيلينا مقعدة ، يبدو أنها مضطربة كثيرا ، نفسيا بالطبع ، ولذلك فقد قيَّدا يديها في سريرها ،

شارلوت شخصية أنانية إلى أبعد الحدود ، وبشكلٍ مستفزٍّ يجعلك تنفر منها ، تهجر باستمرار زوجها وابنتاها ، فسببت للأولى إيفا انفصاما عن ذاتها وعقدا متأصلة وقلة ثقة في نفسها وفراغا في حياتها ، وتركت الأخرى هيلينا المعلولة التي كانت – وإن جهلت ذلك – سببا كبيرا في علتها ، وتركت زوجها معلقا ينتظر في كل مرة عودتها منذ يوم رحيلها ، هجرتهم لأنها لم تجد فيهم ما يسعدها ، لم تلقى لديهم ما يشفي غليلها ويطفئ طاقتها ،

ولذلك فإنها تقول متحسرة ( في واحدة من أجمل عبارات الفيلم وأكثرها دقة وعمقا ) :
(أشعر بمثل هذا ، وأشتاق دائما للبيت ، لكن عندما أصل إلى البيت ، أجده شيئا ، غير الذي كنت أشتاق إليه )
إنه الشعور النفسي العميق لامرأة حائرة ، تريد شيئا وتحس بالذنب لإهمالها شيئا آخر ، تتمنى أن تحس بشعور الألفة تجاه عائلتها ، ولكنها لا تجد سوى الجمود .

لكن وكما هي عادة بيرجمان الذي عودنا دائما أن يقرأ بين السطور وأن يُظهر الجوانب الأخرى لشخصياته لكي نتمكن من الحكم عليها بدقة أكبر ، حيث يتعمد إظهار علامات الندم عليها ، في بعض حديثها ونظراتها ، إن بيرجمان لا يصورها كانعكاس كلي للأنانية ( على الرغم من أنها تبدو كذلك ) ، حيث يمنحنا القدرة على استشفاف روحها الإنسانية من بين أنانيتها وقسوتها .

وكما هو في أغلب أفلامه ، يشدد بيرجمان على أن الظاهر ليس دليلا حقيقيا ، فربما يكون زائفا مزورا ، وأن حقيقة الإنسان كامنة في داخله ، ولذلك فإنه يُظهر في أكثر من مناسبة بشاشة الأم ورحابة صدرها ، إلا ان هذه البشاشة مزورة ، حيث تبتعد الأم عن ابنتها وعن بيتها وكأنها منعزلة عنهم في حياة أخرى ، تُظهر لهم حبها المزيف وتدَّعيه ولكنها في حقيقتها تتظاهر به كما تقول ابنتها لها ( ... وكنتِ خبيرة في التظاهر بالحب ... ) .

هنالك صورة مشهدية رائعة ، وهو المشهد العابر الذي يعزف فيه ليوناردو موسيقى باخ ، يمر هذا المشهد كذكرى ترويها إيفا لأمها ، الروعة الحقيقة كامنة في تصوير المشهد ، لا نشاهد وجه ليوناردو لأنه يبدو حينها غامضا لنا كمشاهدين ، من جانبه تجلس إيفا متحمسة ومتطلعة وشغوفة حيث ترى فيه نقيضا لأمها ، وتجلس أمامه هيلينا العاشقة يداعب وجهها ضوء الإشراق المتسلل من الشباك كتعبير عن حبها المتوقد له ، من حولهم أناس كأنهم رسوم جامدة لا تعبير ينبثق منها ، يحوط المكان ديكور بسيط وكأنه عبارة عن رسمة رسام ، لا تكلف فيه ، وكأنه مجرد ذكرى عابرة مرت كمرور البرق ، سوداويته المنعكسة من المستقبل وحميميته الغامضة التي تغلفها موسيقى باخ الحزينة ، جعلت منه مشهدا معبرا للغاية ، لا أعلم إن كان بيرجمان قصده بهذا الشكل تحديدا ، ولكنه يظل جميلا ومعبرا وغامضا ، على الأقل بالنسبة لي .

هذا الفيلم هو من أكثر الأفلام التي اعتمد فيها بيرجمان التركيز الكلِّيَّ على شخصياته ( بالإضافة لصيحات وهمسات ) ، حيث يبدأ الفيلم ضبابيا غير واضح المعالم لتعايش الشخصيتان معايشة قريبة فتتمكن من قراءتهما ، وفهم جميع اضطراباتهما ومشاكلهما ومشاعرهما وما يشتركان فيه ، حيث أن التركيز طيلة تسعين دقيقة كان منصبا تماما عليهما ، ولذلك فالحوار مستفيض بينهما وغير منقطع ، كما أنه وبمساعدة زميله المصور سفين نيكفيست ركز – كما هي عادته – على الكلوس أب الذي كان عبارة عن تشريحٍ لملامح الشخصيتين لنشاهد أدق انفعالاتهما .

إنجريد بيرجمان ، أسطورة هوليوودية القادمة من السويد ، في كتابه ( صور : حياتي في الأفلام ) يثبت بيرجمان أن التعاون مع إنجريد كان رغبة قديمة ، وان هذه الرغبة بدأت تتحول إلى مشروع عملي بعد لقائه بها في مهرجان كان حينما تم عرض تحفته ( صيحات وهمسات ) ، وحينها ذكَّرته إنجريد بوعده لها أنهما سيتعاونان في عمل ما في يوم ما ، وفي عام 1978 حان هذا اليوم وجهز هذا العمل ، لتثبت إنجريد في هذا الفيلم أن الموهبة والعظمة لا يمكن أن تموت مهما بلغ عمر صاحبها ، حيث تقدم في هذا الفيلم وبعد قحط سنوات من الأدوار الفعالة في هوليوود أداء رائعا للغاية لشخصية في غاية الحساسية ، شخصية تعاني في الفيلم من انعطافات شعورية ونفسية يجب أن تتجاوب معها تجاوبا مرنا لكي تتمكن من إيصالها إلينا ، وقد قدمتها لنا كما يجب أن تقدم ، واستطاعت في هذا الفيلم أن تعطي أروع وأفضل أداء لها ابتعدت من خلاله عن الكلاسيكية التي اعتادتها وتقمصت شخصيتها بحماس وشغف واضح وبيِّن ، وكم جعلني هذا الفيلم أتمنى لو كانت إنجريد تعاونت مع زميلها إنغمار أكثر من مجرد فيلم واحد ،

ليف أولمان ، تقدم أداء جيدا ، يعيبها التفاعل الزائد عن حده ، حيث أحس أنها تبالغ أحيانا في أداء الشخصية وتقدمها بإفراط في انفعالاتها ونظراتها وتلقائيتها ، مما أثر كثيرا على أدائها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:08 am

The Virgin Spring - 1960



يتحدث الفيلم عن أسطورة سويدية قديمة ، كانت تعرف بعذراء الربيع ، وتتلخص في فتاة عذراء مدللة تتكفل بالذهاب بالشموع المقدسة إلى الكنيسة صبيحة يوم الأحد ، إلا أنها تتأخر في الاستيقاظ من النوم لتذهب لاحقا ، وحينها تواجه فتية ثلاثة ، أحدهما طفل صغير ، يقوم الأكبران باغتصابها ، وتحت وطأة خوفهما يقومان بقتلها وسرقة ملابسها والهروب حينها .

من بين أفلام بيرجمان الشهيرة والمعتبرة لدى عموم النقاد والمتابعين هذا الفيلم هو الوحيد الذي لم يقم بيرجمان بكتابة سيناريوه ، وتكفل بعملية إخراجه فقط.

يعتمد بيرجمان في عملية إخراجه على تقديم العائلة والأحداث والقصة عموما في محيط بسيط للغاية ، بيوت متهدمة ، وبيئة ريفية طبيعية ، وأشخاص تلقائيون بإيمان عميق ، لا يوجد تكلف في بناء الشخصيات أو التركيز على تعقيداتهم ومشاكلهم وغير ذلك ، ولذلك فغن هذا الفيلم يعد من أكثر أفلام بيرجمان شذوذا عن أسلوبه المعتاد ، حيث ركز على القصة بشكل كلي وأهمل المعالجة أو التركيز على بناء الشخصيات ، وهو أسلوب يخالف أسلوبه التأملي المعهود ، ولذلك فإن البعض شبَّه هذا الفيلم بأسلوب كوروساوا حيث الاهتمام الدقيق بالطبيعة كمحيط للشخصيات والأحداث.
ولذلك فإن هذا الفيلم واحد من أكثر أفلام بيرجمان واقعية في شكله وتلقائيته ، التصوير والتصميم الداخلي للمشاهد واستخدام المؤثرات الصوتية والبيئة البسيطة للغاية ، كلها استخدمت بطريقة توحي بالواقعية الشديدة سواء في المعالجة أو في الشكل العام للفيلم .

ولذلك يترك بيرجمان مساحة كبيرة للمشهد ، وللشخصيات والحدث ليعبر عن نفسه ، لا ننتقل بشكل سريع وليس هنالك تقطيع كثير في المشهد بين اللقطات ، بل نشاهد واقعية في تصوير المشهد ، ويقول بالصورة ما لا يقول بالحديث ، وشاهد تلك اللقطة الرائعة حينما ينظر الطفل بخوف ورعب يشوبه شعور عميق بالذنب لأفراد العائلة ، هذا الكلوس أب وملامح الطفل المعبرة والصمت المحيط عدى استخدام مؤثرات صوتية واقعية كحركة الشخصيات ومضغ الطعام وتناول الخبز وما إلى ذلك ، بدون أي تدخل صوتي مؤثر أو حوار أو قطع بين اللقطات ، هذه الصورة المشهدية تقول بقوتها وتعبيريتها الواقعية ما لا تتمكن العبارات المرصوفة من قوله .

في ذات المشهد ، نلحظ ذلك القلق الخفي ، الترقب ، الخوف ، الشك ، الذي يعلو ملامح أفراد العائلة ، لا يصرحون بذلك ولكن بيرجمان يتمكن من رسم ذلك في كيفية بنائه للمشهد وتوجيهه للممثلين .
كما أن الصوت هنا يستخدمه بيرجمان بشكل عملي متقن للغاية ، حيث لا مؤثرات صوتية كثيرة كالموسيقى وغيرها ، بل أصوات تعبر عن انعكاس ما يحدث حقيقة ، لاحظ ذلك في مشاهد الغابة حينما استخدم بيرجمان أصوات الطبيعة – حركة الأشجار والأغصان ، تغريد العصافير ، حفيف الرياح – ليتوغل من خلالها أكثر فأكثر في واقعية الحدث .

هذه الواقعية قد تصل إلى حدود الوحشية ، وهي وحشية أراد بيرجمان ان يوفرها ، لك أن تشاهد مشهد الغابة حينما قام الأخوان بالتهجم على كارين ، لتشاهد بعدها كيفية تصوير المشهد حينما قاموا بخلع ملابسها ، لقد استوقفني هذا المشهد كثيرا ، وأخذت أعيده أكثر من مرة ، الزاوية التي تم اختيارها لتصوير اللقطة من بين اغصان الشجر بعيدا عن الحدث وكأننا نتلصص عليهم ، والهدوء الموحش الذي يصرف تركيزك كله نحو تلك اللقطة تحديدا بواقعيتها تصيبك بالقشعريرة .

شخصية الطفل في الفيلم مهمة للغاية ، إن الطفل يمثل الشعور بالذنب ، انعكاس لمفهوم الفطرة السامي ، الذي تنادي له كل الأديان والنظريات الأخلاقية على مر العصور واختلاف الانتماءات والثقافات ، الأخوان يمثلان الوجه الفاسد للإنسان ، الذي لعبت به أدناس الحياة حتى أصبح تربة فاسدة لا فائدة منها ، الطفل يمثِّل التربة الطرية ، التي يمكن إصلاحها إن وجدت الرعاية الكافية ، ولذلك فإن قتل الأب للأخوين لم يكن مؤثرا في الجانب الأخلاقي البحت بالنسبة له – وحتى لنا – ، ولكن قتل الطفل كان جريمة أخلاقية مؤلمة حيث أنه يمثِّل الطهر والبراءة التي شابتها التربية السيئة والمحيط العفن .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:08 am

الفيلمان التلفزيونيان ، واللذان تم إنتاجهما للتلفزيون السويدي مقسَّمةً إلى مجموعة من الحلقات ، ومن ثم قام بيرجمان بتقليص مدتهما إلى أكبر قدر ممكن لكي يتم إخراجهما كفيلمين سينمائيين.

والفيلمان هما :
Fanny and Alexander
Scenes from a Marriage

سأتحدث عنهما بشكل عام دون تحديد ، ثم سأتطرق إلى النسختين والفروق التي تفصل بينهما
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:09 am

Fanny and Alexander - 1982



هذا الفيلم تقريبا أكثر أفلام بيرجمان الشخصية ، حيث أن فكرة الفيلم الأساسية مستندة على ذكريات طفولته ، وهذا الاستناد أو الاقتباس – إن صح التعبير – ليس اقتباسا دقيقا لمراحل حياته في طفولته بنفس الأحداث والشخصيات وكأنه سيرة ذاتية ، وإنما هو اقتباس للخطوط العريضة لطفولته بمفاهيمها ومشاعرها ، مدعَّمة برمزيته المعهودة وإسقاطاته التي تتوافق مع اعترافاته في مذكراته وكتبه عن طفولته.

يبتدئ الفيلم بداية في غاية السلاسة والشفافية ، مظهرا – بقدرة بيرجمان الإخراجية وبفضل أداءات متميزة من الطاقم – جوا عائليا مرحا ، يبعث – بكل انسيابية – على الطمأنينة والارتياح ، في جو الكريسماس العائلي الحميم ، يبدع بيرجمان في هذا التمهيد أيما إبداع ، ويتفنن في رصف المشاهد والحوارات والعلاقات وخلق الأجواء التي من شأنها أن تظهر الوجه المشرق لهذه العائلة ، مما يجعلك – كمُشاهد – تدخل في جوها وتتناغم معها سريعا .

يبتدئ الفيلم في الانتقال من المرحلة السابقة إلى مرحلة أخرى ، هذا الانتقال مرسومٌ بدقةٍ مذهلةٍ وتماسكٍ عجيبٍ للغاية ، تشاهد تسلسلا متناغما في الأحداث سينتقل بك من مرحلة الجو العائلي الحميم إلى وفاة أوسكار إلى بداية علاقة إيميلي مع الأسقف ومن ثم زواجهما إلى أن يستمر الفيلم في عملية السرد هذه بتماسك شديد في رصفه للأحداث وتسلسلها ، خصوصا في النسخة التلفزيونية حيث المساحة – الوقتية – الشاسعة التي منحت بيرجمان حرية أكبر .

الفيلم من الأفلام الزاخرة بالشخصيات ، يقدمها بيرجمان بشكلٍ جماعي في أول الفيلم ثم يقدمها بشكل أحادي فيما بعد ، يبدو من العنوان أن القصة عن الطفلين فاني وأليكساندر ، ولكن الفيلم يمهد لذلك بمعالجته لكافة الشخصيات الأخرى لأنها تمثل انعكاسا أساسيا للقصة الأساسية "فاني وأليكساندر".

في هذا الفيلم ، يخلق بيرجمان مجتمعا متكاملا ، مجتمعا متعدد الشخصيات والأشكال والانتماءات : الغني والفقير ، العاقل والسفيه ، الصغير والكبير ، المتدين والملحد ، المسيحي واليهودي ، الرجل والمرأة ، ويدمج الأشكال الاجتماعية فيما بينها : العائلة الأرستقراطية ، العائلة المتزمتة المنغلقة ، الالتزام المظهري الاجتماعي للعائلة الأرستقراطية في ظاهرها والوجه الخفي لها في باطنها ، عالم الأطفال الحالم المليء بقصص الأشباح ، عالم الكبار الواقعي المليء بالخيبة والموت.
إن بيرجمان يقدم صورة متكاملة لمجتمع متعدد الأشكال ، متمازج في حيز واحد ، نشاهد من خلاله الفروق التي تفصل بينها والمفارقات التي تصدر منها.

من أهم الشخصيات الأساسية في الفيلم هي شخصية الأسقف ، وهي شخصية معقدة ومركبة للغاية ، إنه يعبر عن مزيج من أشياء عدة ، في أحد حوارات الفيلم مع زوجته إيميلي يذكر أنه كان – في وقت مضى – يظن أن كل الناس تعجب به ، وأنه يرى في نفسه الحكمة والاهتمام الواسع والعدل ، وأنه لم يكن يتوقع الكره والبغض من أحد ما ، إلا كره ابنها أليكساندر له أصبح يقلقه ويقض مضجعه ، إن الكره الذي وجده من هذا المخلوق الضعيف والطفل العاجز اخرج من داخله رغبة ملحة في الإيذاء بأي طريقة كانت ، لأنه حطَّم تلك الصورة المثالية التي رسمها لنفسه ، لمجرد أنه لا يريد ان يكرهه احد ، إنه يخاف من هذا النوع من الكره ، وخوفه هذا جعله يخشى من هذا الطفل ويتحداه.

في هذا الفيلم يصل بيرجمان إلى أقصى مراحل النضوج السينمائي ، هذا النضوج من جهات متعددة ، الجهة الأولى تتمثل في النضوج الفكري الذي منحه القدرة على تلخيص أفكاره ورؤيته تجاه ما كان متفرقا في عديد من أفلامه ، كون الفيلم يتحدث عن ذكرياته كان سببا في جعل الفيلم أقرب من غيره في إخراج أفكاره ورصفها بشكل تلقائي وواضح ، الجهة الثانية تتمثل في كيفية استفادته من أدواته السينمائية خير استخدام والوصول بها نحو أقصى مراتب الكمالية المضمونية والشكلية ،

إننا في هذا الفيلم نشاهد شخص بيرجمان من خلال فيلمه بأحداثه وشخصياته ، بيرجمان الإنسان عبر إسقاطاته الفكرية تجاه عديد من الأمور ( الدين ، الحياة ، الموت ..... ) ، وبيرجمان السينمائي الذي اعتاد على تقديم أنواع متعددة من المعالجات ( الدراما ، الكوميديا ، السريالية والغموض ..... ) ، كلها مجتمعة ومتمازجة ومتناغمة بشكل لن تراه في أفلامه الأخرى ، إن هذا الفيلم يُعدُّ المرجع الأساسي لسينما بيرجمان ، فمشاهدته تعني الإحاطة بسينما بيرجمان في كل مراحلها التي مرت بها وأشكالها التي تشكَّلت عليها.

ربما يكون هذا الفيلم تحديدا مع فيلم بيرجمان الآخر ( الشخصية ) من أكثر أفلامه التي لا ينضب معينها أبدا ، في كل مرة تشاهده فيها تتكشَّف لك إسقاطات وإيحاءات كانت خافية عليك في مشاهدة سابقة ، وإن كان تاركوفيسكي أشار – كما أوردت سابقا – عن فيلم الشخصية ما يدل على ذلك ؛ فإن فيلم فاني وأليكساندر أيضا يظل فيلما مليئا بالاحتمالات التي قد تتكشف لك حينما تشاهده أكثر من مرة ، أحدهم استنتج أن أوسكار شاذ جنسيا وأنه ليس أب أليكساندر ، وأحدهم استنتج علاقة ميتافيزيقية بين عائلة الأسقف وبين إسماعيل وآرون ، وأحدهم فسَّر مشهد الاختطاف الغريب بتفاسير متعددة تقبل جميع الاحتمالات ، وأحدهم حاول تفسير إسماعيل الذي يبدو كامرأة ( مثل دوره ممثلة ) بانه شخصية رمزية ترمز لما فوق الحقيقة وانه ليس تابعا لقوانين الطبيعة ، وعكسها شخصية عمة الأسقف التي قام بتمثيلها رجل ، والمقصد ؛ أن هنالك مفاتيح واحتمالات كثيرة في هذا الفيلم ، غامضة وسريالية وسيكولوجية، فهو غني بشخصياته وإسقاطاته وإيحاءاته والتفاتاته ، ومع كل مشاهدة ستشعر أنك تستكشف شيئا جديدا.

بحق ؛ إنه عمل فني إبداعي ، وأقرب ليكون تحفة خالدة.

هذا الفيلم من أكثف أفلام بيرجمان حوارا ، حتى أن النسخة التلفزيونية بلغ عدد صفحات سيناريوها 1000 صفحة ! ، كلها مليئة بالحوارات العميقة أو الكوميدية بين الشخصيات الكثيفة ، ولعل من أجمل حوارات الفيلم هو مشهد الحوار بين الأم هيلينا وبين شبح ابنها أوسكار ، حينما تخبره أن الحياة ليست إلا مجرد أدوار نقوم بها ونتكيف معها ، دور الممثلة أولا ، ثم دور الزوجة ، ثم دور الأم ، ثم دور الأرملة ، ثم دور الجدة ، ثم دور الحزينة ، كلها ادوار تتلبسها وتتكيف معها ،
تقول ( مشاعري العميقة حطَّمت الواقع ، إن كنت تفهم ما اقصد ، من بعدها أصبح الواقع محطما ، وبغرابة كافية ؛ أشعر أنه أكثر واقعية هكذا ... )

نذكر أن فيلم الشخصية كان يدور على ذات المبدأ ، وهو أن الممثلة إليزابيت فوجلر توقفت عن الكلام لأنها أحست أن حياتها عبارة عن مجموعة من الأدوار التي تمثِّلها ، وهنا تبرز شخصية هيلينا التي كانت ممثلة مسرحية في صغرها كانعكاس لشخصية فوجلر في فيلم الشخصية ، ولكن بواقعية أكبر في بنائها الدرامي.

التصوير هنا من أروع ما يمكن أن تشاهد ، نيكفيست وبيرجمان مرة أخرى بعد الإبداع الخلاق في صيحات وهمسات ، الكاميرا تتكلم بقوة تعبيرية مذهلة ، يتركها بيرجمان تأخذ حريتها الكاملة في المَشهد ، تجوب في أروقة البيوت وتراوح بين الشخصيات كما تشاء ، وتتمكن من التحدث بصمت معبر ، ومن يركز يلاحظ ان بيرجمان استخدم التصوير هنا بشكلٍ مختلف عن أغلبية أفلامه ، فقد تغاضى عن تكنيك الكلوس أب الذي كان يعتمد عليه كثيرا ، والسبب في ذلك أن الغرض من الفيلم ليس دراسة الشخصيات كما نجد في أفلام مثل صيحات وهمسات والشخصية وغيرهما وهو الأسلوب الذي يتماشى معه الكلوس اب ، بل كان الفيلم مركزا على دراسة المحيط الذي تعيش فيه الشخصيات ، الذكريات التي عاشها بيرجمان والأجواء التي أراد أن ينقلها ، وبالتالي فالكاميرا تجول بشكلٍ مفتوح ، لا تتقيد بالتركيز على الأوجه وتنحصر فيها ، بل تأخذ حريتها تماما ، وتتمكن من التعبير عن ذلك ببلاغة واضحة.

وجديرٌ بالذكر ، أنه أثناء تصوير هذا الفيلم حدثت مشكلة كبيرة بين بيرجمان ونيكفست ، حيث أن نيكفست أراد حضور جنازة زوجته السابقة ، إلا أن بيرجمان رفض ذلك معللا ان غيابه سيكون مؤثرا ، مما أورث صراعا محتدما بين الاثنين ، إلا أن ما نشاهده – على صعيد العمل – مختلف تماما ، حيث نرى الإبداع التصويري والإخلاص في إيجاد كماليته من كافة جوانبه ، وهنا تبرز احترافية العمل.

هذا الفيلم يعد درسا من دروس بيرجمان في كيفية اختيار الألوان ، هنالك تناغم عجيب في مزج الألوان في الديكورات الداخلية خصوصا بيت العائلة ، اللون الأحمر هو أكثر الألوان تركيزا في هذا الفيلم ( كما في فيلم صيحات وهمسات ولكن بشكل أقل ) ، يمازجه اللون الأخضر ، وهذان اللونان متضادان ، حيث أن اللون الأحمر – كما يوظفه بيرجمان في كثير من أفلامه – يشير إلى الجمود والبؤس ، واللون الأخضر يعبر عن الأمل والبهجة حيث أنه هو لون الطبيعة ، وهذا بالضبط ما كانت العائلة عليه ، إنها مزيج مركب ما بين البؤس والسعادة ، ظاهرها مشرق وسعيد ولكنها تحمل في طياتها تناقضا وغموضا وانغلاقا ، الظاهر يسيطر على الباطن ويتمكن من إخفائه ، إلا أنه لا يستطيع أن يمحوه تماما.

الديكورات أيضا وتصميم المَشاهد يدل على حرفية تامة قادت كلا من آنا أسب وسوزان لينجهيم للفوز بجائزة الأوسكار لأفضل تصميم فني لمواقع التصوير ، الديكورات مرصوفة بعناية شديدة ، فالبيت الكبير أثاثه وديكوراته وإكسسواراته وتصميمه يدل على أرستقراطية العائلة وعلوِّ كعبها الاجتماعي ، وبيت الأسقف يدل على مدى التقشف الذي تعيشه العائلة والجمود والبرود الشديد الذي توحي به.

التمثيل استثنائي ، ومتميز من الجميع.

الطفل Bertil Guve في دور أليكساندر قدَّم أداء جيدا ، نظراته وكيفية أدائه للشخصية منحها أبعادا أخرى ، الغريب هو عدم دخوله مجال التمثيل بعد هذا الفيلم .

الممثل Allan Edwall في دور أوسكار يقدم أداء لا أعلم ما سبب إعجابي الكبير به ، لديه ذلك الحس العميق بشخصيته ، كيفية أدائه وتقمصه لها بغموضها الغريب وحزنها الظاهر على ملامحه وكيفية نظراته تستفز مشاعري كثيرا ، لا زلت أتذكر ذلك المشهد بعد موته عندما كان جالسا على كرسي البيانو ثم التفت لأليكساندر وفاني وأخذ ينظر إليهما ، في تلك النظرات تمكن من قول ما لا تستطيع كثير من الكلمات قوله ، الحزن ، الحنين ، الجمود ، أداء رائع للغاية وجذاب .

الممثل Jan Malmsjo في دور الأسقف قدم أداء رائعا للغاية ، جان كان قد استغرب من اختيار بيرجمان له لهذا الدور ( الذي كان مقررا أن يذهب لماكس فون ) ، فقال بيرجمان أنه يرى فيه ذلك الشر الكامن في داخله ، الشر الكامن في كل واحد منا ، والذي يعد جزء أساسيا من إنسانيتنا ، وأعتقد أن جان أبدع كثيرا في إظهار هذا الجانب الخفي من شخصيته – كما يقول بيرجمان – ، عندما تشاهده تحس – بشكل مستفز – بقلق وتوتر ، تستشعر ذلك الغموض المخيف في نظراته وطريقة كلامه ، أعتقد أن أداء جان كان سببا رئيسيا في خروج شخصية الأسقف بمثل هذه القوة .

الممثل Jarl Kulle في دور جوستاف كان فاكهة الفيلم بكل حق ، لقد تمكن هذا الممثل من خلق كاريكتر في غاية الجاذبية والفكاهة الكوميدية لهذه الشخصية ، حينما يأتي تستمتع بأدائه وبحضوره وما إن يذهب حتى تنتظر رجوعه ، هذا النوع من الأداءات يخلق للشخصية كيانا خاصا في الفيلم ، كيانا يجعلها قريبة من المُشاهد ، لا ننسى أيضا أن كاريكتر الشخصية في أصلها يظل جذابا ، ولكن أن تخلق شكلا لهذه الشخصية الجذابة هو أمر يستحق الإشادة أيضا .

الممثلة Gunn Wållgren في دور هيلينا تقدم أداء جميلا لهذه الشخصية ن حضورها كثير في الفيلم وتمكنت من الارتقاء بها على أكمل وجه ، وقد كان بيرجمان وضع الممثلة إنجريد بيرجمان كخيار أساسي لأداء هذه الشخصية ، إلا ان الظروف – للأسف – حالت دون ذلك.

باقي الأداءات جميعها تتراوح ما بين الممتاز والجيد ، ولا يوجد فيها – من خلال وجهة نظري – أي أداء يشوبه القصور أو الرداءة ، الكل قام بدوره على أتم وجه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ملك السينما
المستوى الثالث
المستوى الثالث
avatar

عدد الرسائل : 169
تاريخ التسجيل : 28/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني   السبت أغسطس 23, 2008 9:09 am

Scenes from a Marriage - 1973



الزواج ؛ هو أكبر شراكة في هذه الحياة بين جنسين مختلفين ، حيث أن معايير الحياة وضوابطها وأخلاقياتها وأولوياتها .... تتغيَّر على الأبد ، وتنقلب حياتهما من كونها أحادية الجانب تقتصر على احتياجات كل واحد منهما ورغباته إلى ازدواجيةٍ في العلاقة بينهما تجمع من خلالها هاتين الحياتين في حياة واحدة ، يجب أن يتشاركا في كل شيء ، وأن تكون رغباتهما متماشية مع بعضهما واحتياجاتهما تلبي – بشكل أو بآخر – احتياجات الآخر كي لا يحصل تضارب في المصالح بينهما ، وأن تكون التسويات عنصرا أساسيا يساهم في الحفاظ على مستوى التوازن في العلاقة ، تماما كشعرة معاوية ، وهذا النوع من الشراكة يحتِّم على الفرد أن يعيش حياته كاملة بكل ما فيها مشتركا مع شخص آخر سيضع له حدودا زوجية لا يمكنه أن يتخطاها .

هذا الكلام النظري ، يبدو جميلا ومقنعا ، ولكن هل هذا هو الواقع ؟ ، هل هذا هو ما يحدث بالضبط في الحياة الواقعية بعيدا عن التنظير المنطقي أو الرومانسي ؟ .

بيرجمان في هذا الفيلم يضع الزواج العصري تحت المجهر ، ويحاول أن يتوصل إلى تفسير دقيقٍ وواقعيٍّ لمفهوم الزواج العصري ، هل هو مرتبط بالحب ؟ ، هل هو قائم على التسويات والتضحيات ؟ ، هل مجرد الزواج الذي يشترط عقدا ورقيا سيكون كافيا للاطمئنان سواء للزوج أو الزوجة ؟ ، الخيانة الزوجية وارتباطها بمفهوم الزواج ؟

كل هذه أسئلة يقوم عليها الزواج في مفهومه الاجتماعي والشخصي ، وتمثِّل للشخص المتزوج – أو حتى العازب – مربط الفرس الذي إن تمكن من الإجابة عليها فإنه سيتمكن من فهم الزواج،

في السابق ؛ كان مفهوم الزواج بسيطا ، يتلبس عباءة الدين والمجتمع ، كعلاقة عملية بين رجل وامرأة ، كل منهما يسد حاجة الآخر في جانب معين من هذه الحياة ، ولذلك كان مفهوما ، وبسيطا ، ولكن الزواج العصري أصبح أكثر تعقيدا ، حيث لم يعد يمثل تلك العلاقة العملية والشراكة الحياتية التي لا تشترط التوافق الشخصي في الطبائع والرغبات أو التقارب الشعوري بين الزوجين ، ولذلك أصبح معقدا لأن مفاهيمه تداخلت فيما بينها بشكل كبير ، فالمشاعر الإنسانية تتضارب مع الحقيقة الواقعية والنزعات الجسدية والجنسية أحيانا ، مما يجعلك كفنان تبتعد عن المفهوم العملي للزواج الذي يمارسه الزوجان إلى محاولة إخضاعه للتنظير والتحليل للتوصل إلى أشبه ما يكون بالمعادلة التي تتمكن من خلالها فهمه بعيدا عن واقعه العملي.

وجدير بالذكر ؛ أنه عندما صنع بيرجمان هذه السلسلة كان قد تزوج أربع مرات وطلَّق أربع مرات ، وكان في زواجه الخامس والأخير ، وبالتالي فإن لديه الإحاطة الكاملة بمفهوم الزواج وتعقيداته ، من وجهه الواقعي بعيدا عن رمانتيكية الفكرة وقدسيتها الدينية والاجتماعية.

هذا الفيلم يأخذنا في رحلة طويلة مع زوجين يمثِّلان الوجه السعيد للحياة الزوجية ، الزوج يوهان (Erland Josephson ) وزوجته ماريان (Liv Ullmann ) يعيشان في هدوء زوجي يبعث على الاطمئنان والارتياح ، لديهما ابنتان اثنتان ، مشاكلهما منحصرة في زوايا متعددة ، كانا صديقين حميمين قبل زواجهما مما أهَّلهما ليكونا قريبين بشكل أكبر من بعضهما،

في حركة مفاجئة يقرر يوهان ترك زوجته لصالح امرأة أصغر منها باولا ، تستقبل ماريان هذا الخبر في ظل صدمة مفجعة تصيبها بالذهول الكلي ، الانهزامية والضعف العاطفي يدفعها نحو أشبه ما يكون بالاستسلام وعدم محاولة رد الهجوم ، بل على العكس ؛ تكتفي بالنكوص والتقوقع ومحاولة ثني الزوج عن فكرته ، يسافر يوهان إلى باريس مع باولا ما يقارب الستة أشهر ، وحينما يعود من سفره يبدأ التفاعل بين الزوجين – اللذان لم يغلقا ملف زواجهما – بشكل متناقض.

هذا السلسلة لا أبالغ حينما أصفها – بجانب أفلام أخرى متنوعة – واحدة من أفضل الأعمال التي تحدثت عن الحياة الزوجية ، ولأنني لا أعلم ما مكنون الحياة الزوجية في ثوبها الواقعي ، إلا أنني – كغيري من المتقشفين العزاب – أستطيع أن أميز بين من ينظِّرها ويناقشها من جانب واقعي مقنع ومن يحاول أن يلبسها عباءة القدسية أو الرومانسية ، وعلى الرغم من كآبة الصورة الأولى إلا أنها تبدو مقنعة بشكل أكبر ، فضربها على الوتر الواقعي أكسبها ذلك الحس الصادق البعيد عن التزييف أو التجميل.

هذه الواقعية ليست ظاهرة في طريقة المعالجة فقط ، وإنما أيضا في الأسلوب الإخراجي الذي يعتمد كثيرا على الحوار بين الزوجين والبطء في التنقل بين المشاهد والتمثيل التلقائي للممثلين ، هذه الواقعية تجعلك قريبا للغاية من الشخصيات والفيلم عموما.

وودي آلن حاول مجاراة هذا الأسلوب في رائعته ( أزواج وزوجات ) ، ولست بحاجة للقول أن آلن يقتبس من أستاذه بيرجمان كثيرا ويفتخر أيضا بمثل هذه الاقتباسات.

المقدمة الافتتاحية من أجمل ما يمكن ، اللقاء التلفزيوني الذي يستنبط من الزوجين مشاعرهم تجاه زواجهم ، يتبين من ذلك اللقاء كثير من خصائص الشخصيتين ، حيث يظهر يوهان كشخص معتد بذاته كثيرا ، يظن في نفسه الصفات الحسنة التي تميزه عن غيره ، كما أنه لا يثق بالناس ولا يرى فيهم ذلك الخير الكامن في طبيعتهم ، زوجته ماريان بعكسه تماما ، إنها متواضعة لا ترى في ذاتها تميزا أو ترفعا على غيرها ، طيبتها تحتم عليها النظر إلى الناس بمنظور حسن الظن.

ما يحدث لماريان هو طريقة قاسية ومؤلمة ومحزنة لإثبات أن الواقع شيء ، والخير والطيبة شيء آخر ، لا يوجد ترابط وثيق بين خيرية الإنسان في شخصه ورفعته الذاتية في صفاته الحسنة وبين واقعه الذي قد يكون عكسه تماما ، فظا وقاصما ومباغتا ، ماريان كانت ترى في الناس الخير والطيبة ، ولكن ما حدث أن زوجها الذي يعد أقرب الناس لها أثبت خطأ نظريتها ، ويا لها من طريقة مؤلمة وصدمة مفجعة لاستدراك الخطأ.

في هذا الفيلم يوظف بيرجمان الكاميرا – مع زميله نيكفيست – لتحلل الشخصيات ، تركز عليها كثيرا بالكلوس أب الذي يفضح تعابيرها ومشاعرها التي تطفو على سطحها ، ولأننا أمام فيلم مركز بشكل كلِّيٍّ على شخصيتين اثنتين فقط – حتى أن باولا التي أقام معها الزوج علاقته لم تظهر لنا – فغن بيرجمان يركز الفيلم ككل عليهما ، من خلال الحوار المتدفق كذلك الكاميرا التي تتمكن من إظهار تفاعلاتهما مع ما يحدث بينهما.

ولعل من أهم ما يميز هذا الفيلم تحديدا هو الأداءات الفردية .

في هذا الفيلم لا يوجد سوى شخصيتان محوريتان هما الزوج يوهان والزوجة ماريان.

Liv Ullmann في دور الزوجة ماريان ، تقدم هنا أداء اعتبره شخصيا أحد أفضل أداءاتها على الإطلاق ، شاهدت تقريبا كل أفلامها مع بيرجمان وكذلك بعض الأفلام التي عملتها مع غيره خصوصا رائعة السويدي جان ترول ( المهاجرون ) ، ومع هذا يظل أداؤها هنا مع أدائها في فيلم ( الشخصية ) أفضل أداءاتها على الإطلاق ، أو على الأقل المفضلة بالنسبة لي ، لك أن تلاحظ تفاعلاتها وملامح وجهها في هذا الفيلم ، صادقة على أبعد حد ، تحسسك بمصداقية شخصيتها وبواقعيتها.

Erland Josephson يعد أحد أقرب أصدقاء بيرجمان وأكثر الممثلين – الرجال طبعا – عملا معه ، يقدم هنا أداء ممتازا لشخصية أنانية انتهازية تبحث عن مصلحتها ورغبتها وما يشبع نزواتها بشكل مستفز ، يقدم الشخصية كما يجب أن تقدم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
وقـفـات .... مع سينما الراحل إنجمار بيرجمان - الجزء الثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الشنتوف :: منتديات الفن والسينما :: منتدى السينما العالمية-
انتقل الى: