منتدى الجميع
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
كاتب كبير
كاتب كبير
avatar

عدد الرسائل : 782
تاريخ التسجيل : 18/07/2007

مُساهمةموضوع: لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج2   السبت أكتوبر 20, 2007 10:55 am

ويمضي هذا المؤرخ ليؤكد قوله : إن مصر على عهده استبحرت فيها العلوم والتعاليم, وأصبحت القاهرة مركزاً عملياً مشعاً لاستحكام حضارتها منذ مئات السنين ، فظهرت فيها الصنائع وتعليم العلم ، ويرجع ذلك على حد قوله على عامل تاريخي ، وهو سعي الملوك والأمراء منذ أكثر من مائتي سنة وتحديداً من أيام صلاح الدين الأيوبي ، إلى الاستكثار من بناء المدارس والزوايا والرُبط , وجعل الأوقاف المغلة عليها ، فكثر طلبة العلم والمعلمون بارتفاع أجورهم وجراياتهم , وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب , ونفقت بها أسواق العلوم , وزخرت بحارها ، ويؤكد أن في هذا المسعى الذي تبذله الدولة يكمن ترسيخها وتوطدها , وتتدعم أسس بنائها السياسي والاجتماعي , وذلك "أن الملوك والأمراء ، كانوا يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء , ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته (19).



والظاهر أنه خلال الفترة التي عاش فيها ابن خلدون أو التي سبقت عصره بقليل كانت طرق تعليم الأطفال , وتربيتهم المتعلقة بالقرآن الكريم والأحاديث النبوة ليست متشابهة في جميع بلدان العالم الإسلامي ، بل تختلف من بلاد إلى أخرى , وذلك تبعاً لنزعة المربين والمعلمين واتجاهاتهم وميولهم ، وقد ظهرت من جراء هذه الطرق المختلفة ملكات غير متشابهة ، ونفهم من معرض كلامه ذلك " واختلفت طرقهم في تعليم القرآن للوالدان باختلافهم , باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات" (20) ففي بلاد المغرب العربي الإسلامي كانوا يقتصرون على القرآن الكريم, فيأخذون في كتابته ورسم حروفه أثناء دراسته ، واستعراض جميع ما يحتويه من كلام الله تعالى بحسب ما يكتبه أو يقرأه حملته ( أي حفاظه ) وبعبارة أوضح تجري دراسته قراءة وكتابة ، فتقوم التربية على أساس آياته ومضمونها , واستبعاد الحديث أو الفقه أو الشعر أو أي من كلام العرب .



كما يجري الاجتهاد بعد الخلط في التقويم بسواه في شيء من مجالس التعليم ، وهذا على حد قوله "غالباً ما يؤدي الانصراف إلى حذق القرآن وإتقائه إلى الانقطاع عن العلوم الأخرى , والابتعاد عن معرفتها , والإلمام بها ، كما يوضح أن هذا هو مذهب أهل الأمصار في المغرب , ومن تبعهم من القرى في تربية أبنائهم , وتعليمهم منذ صغرهم , حتى بلوغهم سن الشيخوخة ، ويضيف أنه حتى الكبار يرجعون بعد فترة من أعمارهم إلى دارسة القرآن , فيصبحون أحسن من سواهم في كتابته , ورسم حروفه , وقراءته وحفظه , والإلمام به (21).



أما الأندلسيون فيقول عنهم ابن خلدون : إن النظام التربوي الذي كانوا يسيرون عليه هو تعليم الأطفال منذ نعومة أظفارهم القرآن كما هو , بدون استنباط , أو استنتاج أو تفسير ، غير أنه يستدرك فيقول : إنهم جعلوا القرآن الأصل في التعليم والتربية ومنبعاً للعلوم ، فيجمعون إلى جانب دراسته في الغالب رواية الشعر , وإنشاء الرسائل , والأخذ بعلوم العربية وقوانينها وحفظها , وإجادة الخط والكتابة ، ويجري ذلك على الأطفال حتى بلوغهم سن الرشد والشيخوخة , فيكون المتعلم قد وقف على العلوم والشعر , ومعرفة الخط وأصوله كما يتعلق بأذيال العلوم المتصلة بالقرآن , مثل علم القراءات والتفسير , فضلاً عن الحديث والفقه والسنة ، وربما الفلسفة والمنطق ، فيما إذا كان هناك سند للأخذ بهذه العلوم , ومقدرة واستعداد على تعليمها وفهمها من قبل المعلمين ، لكنهم ينقطعون عن ذلك لانقطاع سند التعليم في آفاقهم , ولا يحصل بأيديهم إلا ما حصل من ذلك التعليم الأول , وفيه كفاية لمن أرشده الله تعالى , واستعداد إذا وجد المعلم (22 ).



ويذهب ابن خلدون إلى القول : إن طريقة الأفارقة وخصوصاً في تونس أقرب إلى طريقة الأندلسيين في تعليم أطفالهم وتربيتهم التي كانت تقوم على القرآن الكريم , وغالباً ما كانوا يجمعون معه الحديث ، فقد درس أصوله , وتلقن بعض قوانين العلوم وأفكارهم ثم يمضي في قوله :"إن عنايتهم بالقرآن , واستظهار الوالدان إياه , ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه" (23) ويتبع تعلم القرآن والحديث ـ على حد قوله ـ تعلم الخط , ورسم حروف القرآن.



وينقل ابن خلدون ، عما كان يستخدم في المشرق الإسلامي ، من طرق تربوية , وكيف أن المشارقة كانوا يجمعون في تعليم مختلف أصناف المعرفة ، فقد بلغه أن عنايتهم كانت تتجه إلى دراسة القرآن وصحف العلم ، وهي الكتب والمصنفات والرسائل الخاصة بالعلوم النقلية والعقلية ، وما تنطوي عليها من أسس وقوانين , وخصوصاً ما يتعلق بالأشخاص الكبار , ويحتمل جداً أن تكون دراسة القرآن الكريم فقط للأطفال والناشئين والشباب.



والظاهر أن تعليم الخط والكتابة وضبط أساليبهما وأصنافهما في بلاد المشرق الإسلامي كانت مفصولة عن تعليم القرآن الكريم والعلوم الأخرى ، فيشير ابن خلدون إلى أنهم كانوا "لا يخلطون بتعليم الخط ، بل لتعليم الخط عندهم قانون ومعلمون له على انفراده"(24) لذلك فإنهم كانوا يكتبون في الألواح لمتعلمي سائر الصنائع من الصبيان في مكاتبهم بخط "قاصر عن الإجادة"(25) ومن أرد تعلم الخط وإجادته ، سواء من الأطفال , أو ممن في سن الرشد أو من الكبار ، فعليه أن ينصرف بعد إتقان صنعته أو علومه إلى ذلك , فيطلبه من أهل صنعته (26).



أما في مصر التي وصفها المؤرخ بأنها مهد للحضارة لرسو المدينة فيها من قديم الأزل , ولاهتمام أهلها بالعلم والتعليم ، فيلاحظ تقدم العلوم فيها لأنها "موفورة وعمرانها متصل" وسند التعليم بها قائم(27) و "أن التقدم من العلوم , وسائر الصنائع فيها بالغ (28).



ويعود هذا المؤرخ إلى القول فيما أفاد هؤلاء جميعاً من هذه الطرق والأساليب التربوية في التعليم والدراسة , أو فيما كان سبباً في قصورهم عن علوم ومعارف أخرى ، فيذكر أن اقتصار أهل إفريقية والمغرب عموماً على القرآن نشأ عنه قصور في اللغة وعلومها ، ويعزو ابن خلدون السبب في ذلك إلى أن دراسة القرآن لا تنشأ عنها في الغالب ملكة لغوية ؛ لأن البشر على حد قوله "مصروفون عن الإتيان بمثل آيات القرآن ، لذلك فهم مصروفون عن الاستعمال على أساليبه , والاقتداء به أو الحذو على منواله ,مما يجعلهم يفتقدون أية ملكة من غير أساليبه ، كما يحصل حتى لأولئك من أصحاب الملكات في اللغة العربية ، والجمود في العبارات , وقلة التصرف في الكلام لانصرافهم التام إلى القرآن وأساليبه ( 29).



ولا يصح مجاراة ابن خلدون فيما ذهب إليه بهذا الصدد ، من أن دراسة القرآن ينشأ عنها قصور في ملكات اللغة , فالمعروف أن القرآن يقوّم لغة الدارس , ويزيدها بياناً وفصاحة في استعمال المفردات اللغوية , واستخداماتها المختلفة , ويهذب العبارات , ويمنحها قوة في التعبير, ويغنيها بفيض من التركيبات اللغوية المفيدة ؛ لما يحتويه من استعمالات مختلفة من الأساليب والطرق البيانية ، فيكسبها الأصالة.



غير أن صاحب المقدمة يميل إلى الاعتقاد أن أهل إفريقية "أخف من أهل المغرب" أي أنهم أكثر ملكة في اللغة ومعرفة بقوانينها وأصولها , وذلك لأنهم كانوا يجمعون في تعليمهم للقرآن عبارات العلوم التي كانوا يتعلمونها معه ، مثل الحديث والفقه ، فنشأ لديهم قدرات (أي ملكات) على شيء من التصرف (30)والإتيان بعبارات , وأساليب مشابهة لعباراتها وأساليبها ، ولكن مع ذلك فإنهم ، كما يقول ، كانوا يقصرون في ملكاتهم البلاغية.



ومن ناحية أخرى ذكر ابن خلدون أن تفنن الأندلسيين وابتداعهم طرقاً في التعليم تقوم على الإكثار من رواية الشعر والاشتغال فيه ، ومن أدب الرسائل والإنشاء , ودراسة العربية وفنونها منذ الصغر ، جعلهم يقصرون في العلوم الدينية المتصلة بدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها (31).



ويستشهد المؤرخ برأي القاضي أبي بكر بن عربي (32) في وجوب تقديم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو الحال بالنسبة إلى اتجاه الأندلسيين ، لأن الشعر ديوان العرب فينبغي تقديمه ، ثم ينتقل إلى الحساب , فيتمرن على تحليل تمارينه وقوانينه ومسائله , وبعد ذلك يعرج على درس القرآن والعلوم المتصلة به ، ومن ثم تؤخذ علوم أصول الدين والفقه والجدل والحديث.



وقد استحسن ابن خلدون طريقة أبي بكر بن عربي التي ختمها بالنهي عن تعليم الناشئة علمين سوية إلا إذا كان المتعلم يمتلك قدرات على تعلمها ، وأظهر بعض النشاط والرغبة فيهما (33), غير أنه أبدى تحفظه من النتيجة التي قد تؤدي إلى حرمان الناشئة من دراسة القرآن لغرض التبرك والثواب , واعتقاد البعض من خشية تعرض الأطفال الذين يحرمون من دراسته إلى إصابتهم بالجنون , وأن أمر الأطفال مرهون بأوليائهم الذين كانوا يتولون رعايتهم منهم , فينقادون لحكمهم ، لذلك فإن أغلب الأطفال يصرفون إلى دراسة القرآن , فيحرمون من تلقى العلمين للذين يرغبونهما ، ولكن لو أن الأطفال استمروا فعلا في تلقيهما لتححق مبدأ القاضي أبي بكر بن عربي , ولأصبح من الضروري أن يطبق في بلاد المغرب والمشرق على السواء (34).



ويعقد ابن خلدون فصلا "مهما" عن واحدة من المسائل المهمة في مقدمته ، ليس فقط في الفترة التي عاشها , بل تبرز أهميتها في الوقت الحاضر ، وتتعلق باستعمال الشدة في تعليم الناشئة من الاطفال ، فيقرر أن الطرق التربوية والتعليمية التي تتسم بالشدة والقسوة تجاه المتعلمين مضرة بهم ، ويعلل ذلك بسبب أن التطرف في التعليم وجعله , وسيلة للقطع من قبل المعلمين الذين يفتقرون إلى طرق وأساليب مرنة تقوم على التفهم والإدراك الصحيح لمتطلبات تربية الأطفال وتعليمهم ، إن ذلك بالتأكيد يلحق ضرراً بعملية التعليم ، لأن من كانت تربيته ، كما يقول بالعسف والقهر من المتعلمين أطفالاً أو غيرهم لا يستطيع الاستجابة لتلقي العلم , ويفتقد النشاط , ويخيم عليه الكسل , الأمر الذي يؤدي به إلى سلوك طريق الكذب والخبث والتظاهر بغير ما في ضميره , خوفاً مما يلحق به من الأذى على أيدي هؤلاء المعلمين , وكذلك يتعلم المكر والخديعة ، فتصبح لديه عادة وخلقاً ، وبذلك تفسد المعاني الإنسانية من حيث علاقاته بالمجتمع , ومدى استجابته لاكتساب عادات جيدة , مثل الحمية وإمكانية الدفاع عن نفسه ومنزلته ليصبح عيالاً على غيره , فتقصر همته عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل التي تحدد غاياتها , ومدى إنسانيتها , فيعود في أسفل السافلين (35).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moha.asianfreeforum.com
 
لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الشنتوف :: المنتديات الثقافية والأدبية :: منتدى التاريخ والحضارة-
انتقل الى: