منتدى الجميع
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج3

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
كاتب كبير
كاتب كبير
avatar

عدد الرسائل : 782
تاريخ التسجيل : 18/07/2007

مُساهمةموضوع: لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج3   السبت أكتوبر 20, 2007 10:56 am

ويحدد هذا المؤرخ ما يجب على المعلم في صدد استعمال الشدة تجاه المتعلمين من الأطفال الناشئة ، أنه ينبغي على المعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب ، وقد نقل من كتاب محمد بن أبي زيد الذي كان قد صنفه في حكم المعلمين والمتعلمين (36) أنه لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم "إلا إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا" (37).



ولعل من المفيد أن نستعرض ما جاء به ابن خلدون حول وصايا الخليفة هارون الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين ، فقد استحسنها كأفضل مذاهب التعليم فخاطبه " يا أحمر ! إن الخليفة دفع إليك مهجة نفسه , وثمرة قلبه , فصير يدك عليه مبسوطة , وطاعته لك واجبة ، وأن تقف منه كما أوصاك الخليفة به ، بتدريسه القرآن , وتعريفه بالتاريخ والسنين ورواية الشعر ، وأرشده إلى الكلام وضروراته , وكيف يبدأ به , وامنعه من الضحك إلا في أوقاته ، وخذه بتعظيم الرجال والقواد من العلماء والساسة إذا دخلوا مجلسه ، كما أوصاه بإفادته في كل ساعة تمر عليه ، فائدة لا تحزنه فتميت ذهنه ، وأن لا يمعن في مسامحته ليترك لديه فراغاً من الوقت , يلهيه عن واجباته "وأخيراً" طلب منه أن يقوّمه ما استطاع إلى ذلك بالقرب والملاينة "فإن إباهما فعليك بالشدة والغلظة" (38).



ويكتب ابن خلدون بشيء من التوضيح عن مسألة تربوية وتعليمية أخرى لها أهميتها في الفكر التربوي المعاصر ، وهي اختصار الطرق والأساليب التعليمية في العلوم وأبواب المعرفة بتدوين البرامج المختصرة في كل علم ، فقد يشمل الاختصار على حصر القوانين والأدلة بألفاظ قليلة وبمعان كثيرة ، وقد أظهر المؤرخ أن هذا التضييق في الكلام عن العلم أو الفن أو الأدب مخل بالبلاغة أولاً , وعسر على الفهم أيضاً ، كما أنه يفسد التعليم , وفيه إخلال بالتحصيل ، ويستدل عليه بسوء التعليم ، فالمتعلم عليه أن يتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتراجم المعاني , وصعوبة استخراج المسائل من بينها ، ويخلص ابن خلدون إلى القول : إن المختصرات في العلوم المعدة للناشئة وللمتعلمين تفقدهم الملكات النافعة وتقطعهم عن تحصيلها (39).



وأفضل الطرق لتلقين العلوم والمعارف للناشئة الذين يتجاوزون المراحل الأولى على رأى ابن خلدون هي ما كانت تقدم لهم تدريجياً شيئاً فشيئا ، وأن يراعي فيها استعدادات الطلبة لقبول ما يرد عليهم .



والظاهر أن هذه الطرق التي يشير إليها تتلخص في ثلاث مراحل أو تكرارات , ففي البداية تقدم لهم مسائل عامة من كل باب من أبواب العلم , تتعلق بأصوله وأسسه ، ويعني في شرحها على سبيل الإجمال ، وفي هذه المرحلة الثانية ، تقدم الشروح الواضحة بصورة مفصلة , وتذكر أوجه التشابه والاختلاف , فتتحسن ملكته ، أما المرحلة الأخيرة فتقوم على التفتيش عن المسائل والقوانين المعقدة والمهمة والمغلقة ، فتوضح بشيء من التفصيل والاهتمام حتى ينتهي المتعلم من استيعاب هذا العلم ومتطلباته (40).



وهناك بعض الطلبة والمتعلمين كما أفاد ابن خلدون ، الذين يختصرون هذه المراحل في أقل من ذلك (أي الفترة المستغرقة في أخذ العلوم ) للحصول على ملكات في بعض العلوم ، بحسب ما يتيسر لهم من إمكانات , وما تقدم لهم من تسهيلات (41) والمقصود بالإمكانيات هنا على الأرجح القدرة على الاستيعاب لأفكار العلوم المطروحة , كما يرمي بالتسهيلات تناولها بطرق تعليمية مبسطة ومفهومة وواضحة تساعد على هذا الاستيعاب , وتفتح له الأبواب مشرعة .



ويلقي ابن خلدون اللوم على كثير من المعلمين في عصره بجهلهم الطرق التربوية في التعليم ، إذ يقدمون للطلبة كثيراً من المسائل والقوانين المعقدة والمقفلة , ويطالبونهم في حلها , ويحسبون ذلك مراناً لهم , متجاهلين استعداداتهم للتقبل والفهم ، لذلك ينبغي على المعلمين أن لا يزيدوا على طلابهم ومتعلميهم , ويثقلوا عليهم بمواد العلم , إلا بحسب طاقاتهم , وعلى نسبة قبولهم سواء أكانوا مبتدئين , أم في المراحل المنتهية , وأن لا يجمعوا لهم بين مسائل وقوانين مختلفة , وأن يقتصروا لهم على علم من العلوم حتى يقتنوه ، ثم يخلص إلى القول : إن من المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعلم أن لا يخلط على المتعلم علمان معاً ، فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما ، لما فيه من تقسيم البال , وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر , فيستغلقان معاً ويستصعبان (42).



وعلى أية حال فالتعليم عند ابن خلدون صناعة خاصة غايتها إثبات ملكة العلم في نفوس المتعلمين , وليس من واجبها ـ بهذا المعنى ـ حمل المتعلمين على حفظ فروع العلم , ودفعهم إليه ، ولذلك فهو يسعي لكي يضع للتعليم منهجين ، على المعلمين والمتعلمين أن يطبقاه في وقت واحد , وهما منهج التوسع في العلوم والمعرفة ، نظرياً وعملياً ، والآخر منهج التدرج من الأسهل إلى الأقل سهولة , فتلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدرج شيئاً فشيئاً , وقليلاً قليلاً (43).



ويوجه ابن خلدون الأنظار إلى مسألة تربوية مهمة في تلقي العلم , فيشير إلى دور المحاورة والمناظرة والمفاوضة في التعليم ، فيذكر أن الطرق التربوية الصحيحة لا تقوم على أساس التأكيد على كثرة حفظ مباحث العلم واستظهارها ؛ لأن "الملكة العلمية" لا تحصل إلا "بالمحاورة والمناظرة والمفاوضة" في موضوعات العلم " لأنها ستولد ملكة التصرف" و "ملكة استنباط الفروع من الأصول " ويقدم هذا المؤرخ آراءه عن أيسر الطرق التربوية للحصول على "ملكة العلم" وذلك من خلال إطلاق اللسان بالحوار والمناقشة في المسائل العلمية لأن ، "فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية يقرب شأنها , ويحصل مرامها"(44) .



ولا ريب أنك ستجد في طلبة العلم الذين يتهيبون من الاشتراك في النقاشات التي تجري في المناظرات العلمية , ويفضلون السكوت , وينصرفون إلى الحفظ والاستظهار جموداً في أفكارهم وضيقاً في أفقهم ، وينطبق ذلك حتى على أولئك الذي يحسبون أنهم وضعوا أساساً لملكاتهم العلمية ، الاطلاع والقراءة والحفظ فإنك ستجد أن لديهم قصوراً في علمهم ، ويظهر ذلك واضحاً أثناء حواراتهم أو مناظراتهم أو قيامهم بالتعليم ، ويعزو ابن خلدون هذا القصور إلى رداءة طريقة التعليم , وانقطاع سنده على الرغم من أن حفظهم هو أبلغ من حفظ سواهم لشدة عنايتهم به (45).



نخلص من هذا الرأي الذي يقدمه ابن خلدون ، أنه ينبغي على المعلمين والمدرسين أن يدركوا حقيقة تتعلق بجوهر عملهم التربوي التعليمي ، وهو القدرة على مناقشة المسائل العلمية والفكرية واستيعاب الأفكار والآراء التي تقوم عليها المناظرات العلمية والأدبية والفنية ، وكذلك معرفة إدارة هذه المناقشات وتوجيهها توجيهاً يخدم العملية التعليمية ، والمعلم سيواجه طلبة متبايني الاتجاهات والمنطلقات الفكرية والثقافية والعلمية , فعليه أن يتدبر طروحاتهم , ويناقشها بكثير من السداد والعمق.



ولدى ابن خلدون تفسير عن تعدد المناهج وكثرتها , وتشعب مفرداتها مما يؤدي إلى التيه , وعدم الدقة في ضبطها ، والمقصود على رأي ابن خلدون بعبارة " أنه مما أضر بالناس في تحصيل العلم اختلاف الاصطلاحات في التعاليم " (46)هو تعدد المناهج وتشعب اصطلاحاتها ، والظاهر أنه لا حظ في عصره ، طرقاً عدة لتعليم الفقه , والشروحات الفقهية مثلاً , منها : الطريقة القيروانية , والطريقة القرطبية , والطريقة البغدادية , والطريقة المصرية , وطرق المتأخرين , وهذه يتبعها الكثير من التفرعات والأساليب والأنماط في تلقي الأصول والفروع في الفقه وشروحاته وتفسيراته ، لذلك فإن المتعلم مطالب باستحضارها جميعاً , وتمييز ما بينها ، ولو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل الذهبية فقط لكان الأمر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moha.asianfreeforum.com
 
لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج3
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الشنتوف :: المنتديات الثقافية والأدبية :: منتدى التاريخ والحضارة-
انتقل الى: