منتدى الجميع
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
كاتب كبير
كاتب كبير


عدد الرسائل : 782
تاريخ التسجيل : 18/07/2007

مُساهمةموضوع: لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج4   السبت أكتوبر 20, 2007 10:56 am

ويواصل صاحب المقدمة ضارباً المثل من علم العربية , وخصوصاً من كتاب سيبويه , وجميع ما كتب عليه , وطرق البصريين والكوفيين والبغداديين والأندلسيين من بعدهم , وطرق المتقدمين والمتأخرين , وجميع ما كتب في ذلك , ثم يتساءل كيف يطالب به المتعلم (47).



أما مسألة التحصيل , وما ينطوي عليه من طرق وأساليب تربوية , فيفصلها بقوله : إن العلوم المتعارفة على صنفين ، العلوم المقصودة بالذات , مثل التفسير والحديث وعلم الكلام وعلوم الطبيعيات والفلسفة ، والعلوم المساعدة التي تشكل وسيلة آلية للعلوم الأولى , مثل علوم العربية والحساب والمنطق ، فإذا أريد تحصيل العلوم المقصودة فينبغي دراستها , والتوسع فيها , واستكشاف الأدلة والبراهين في أصولها وتفريعاتها واستبعاد العلوم المساعدة عن التمحيص الدقيق , والدراسة المستوعبة , وذلك لأنها آلة للعلوم المقصودة بذاتها ، فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود , وصار الاشتغال بها لغواً ، مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها , بطولها وكثرة فروعها , وربما يكون ذلك عائقاً عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات ؛ لطول وسائلها (48). .
ويذهب المؤرخ بعيداً عن التفصيلات حول صناعة النحو , وصناعة المنطق وأصول الفقه فيقول : إن المتأخرين أوسعوا دائرة الكلام فيها , وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلة , وصيرها من المقاصد .



فهي مضرة على حد قوله بالمتعلمين على الإطلاق , لأنه اهتمام المتعلمين بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها ، لهذا يجب على المعلمين كما يقول : أن لا يستبحروا بشان العلوم الآلية (المساعدة) وينبهوا المتعلم على الغرض منها ويقضوا به عنده (49).



ويمكن القول ، باطمئنان ، إن ما ذهب إليه ابن خلدون في هذا الصدد ، يجعل مسألة التحصيل العلمي وحيدة الجانب ، فالعلوم ينبغي أن تؤخذ بصورة متوازنة ومتكافئة ، فإذا أريد تحصيل العلوم التاريخية مثلاً فلابد حينئذ من تعلم وسيلتها وهي اللغة ، وإتقانها وضبطها من يحث التوصل إلى تحليلات دقيقة " توضحها اللغة توضيحاً كافياً" وكذلك إذا فعلنا مع العلوم الطبيعية والفلسفة بإن اللغة تظل تعين على ترسم الطريق الصحيح لإتقان هذه العلوم , وتطبع صورة جلية في ذهن المتعلم عنها ، ويبدو ذلك واضحاً في جهود كثير من طلبة العلم الذين أصبحوا فيما بعد علماء ومفكرين في الحقول العلمية التي تخصصوا فيها على أيام ابن خلدون أو على أيام المتقدمين عليه أو المتأخرين عنه.



ولعل ابن خلدون وهو المحلل لبعض أفكار عصره ، يشير إلى ما كان يجري من فصل غير مقصود بين علوم الشرعيات والطبيعيات والفلسفة , وبين علوم العربية والحساب والمنطق عند ما يراد السعي للتحصيل العلمي في صنف من أصناف العلوم الأولى ، وهو الأسلوب التقليدي المتبع في تلك الفترة ، غير أن هذا المحلل لا يدرك صواباً حين يقرر أن علوم العربية والمنطق وما سواها من العلوم المساعدة "لا حاجة بها في العلوم المقصودة ، فهي من نوع اللغو " (50) .



ولم تكن المدارس على عهد ابن خلدون هي المراكز الوحيدة للتعليم والتعلم بل إن المعلم أو المدرس الذي يجد في نفسه الكفاءة لمزاولة المهنة ، يستطيع أن يزوالها بحرية في المكان الذي يختاره , وعلى الطريقة التي يرتئيها من غير أن يتقيد بقيد حكومي أو سلطاني ، غير القيود التي يقررها ويفرضها العرف والعادة (51) .



وكان له أن يفعل ذلك في المساجد أيضاً "وللمدرس الانتصاب لتعليم العلم وبثه , والجلوس لذلك في المساجد " (52) .



ويبين أن المساجد صنفان , المساجد العظيمة الكثيرة الغاشية والمعدة للصلوات العامة ، الأولى ترجع إلى الخليفة أو الوزير أو القاضي ، والمساجد الخاصة ترجع إلى الناس المجاورين لها ، فإذا أراد المدرس أن يزاول مهنته في المساجد العظيمة ، فلا بد من استئذان الخليفة أو الوزير أو القاضي ، أما أذا أراد أن يزاولها في الصنف الثاني "فلا يتوقف ذلك على إذن"(53) ويقرر ابن خلدون أن المدرسين في العالم الإسلامي لا يتصدون للمسائل التي لا تدخل في اختصاصاتهم أو التي لا يستطيعون الإيفاء بموضوعاتها , أو ما يدخل في تفصيلاتها ودقائقها ، فيشير إلى أنه "ينبغي أن يكون لكل أحد من المفتين والمدرسين زاجر من نفسه يمنعه عن التصدي لما ليس لها بأهل"(54) .



غير أن ابن خلدون يذكر أن مهنة التعليم تدخل في نطاق المصالح العامة , فهي تخضع لمراقبة المتحسب الذي تقوم وظيفته على موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقد يأخذ "على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين " (55) كما أن أصحاب الخير من الأغنياء من السلاطين والأمراء والتجار وغيرهم كانوا يشيدون بعض البنايات المختصة للتدريس , ويربطون لها الأوقاف المغلة للجراية على معلميها ومتعلميها ، فيقول : إنهم كانوا "يستكثرون من بناء المدارس والإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم "(56) ويبدو أن صلاحية التعليم وتحديده في تلك المدارس كانت تتعين وفق الشروط التي يضعها الواقفون من أولئك الأغنياء.



ويعكس لنا ابن خلدون صورة فيها بعض الوضوح عن طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي كان يعيشها المعلمون والمدرسون في عصره , وإن مهنة التعليم كانت ضمن مهن الضعفاء فقد ذهب إلى القول "إن التعليم هذا العهد من جملة الصنائع المعاشية البعيدة من اعتزاز أهل العصبية ، والمعلم مستضعف مسكين , متقطع الجذم " (57).



أما أثر المشرق الإسلامي في نشر العلم في بلاد الغرب والأندلس فيوضحه بقوله : إن أغلب الذين تلقوا تعليمهم على يد المعلمين المشارقة كانوا يهتمون بالحفظ , ويعجزون عن التصرف في المعرفة مع إن الهدف هو الحصول على الملكة العلمية ، أي فهم روحه العامة , والوقوف على دقائقه , والمقدرة على إبداء الرأي فيه (58) ثم يقدم لنا معلومات تفيد في الاطلاع على تاريخ التربية في بعض البلاد الإسلامية , والمدد التي كان يقضيها الطلبة والمتعلمون في الحصول على العلوم ودراستها وإتقانها ، فيشير إلى أن المدة المعينة لسكنى طلبة العلم بالمدارس في المغرب لإتمام دراستهم ، هي ست عشرة سنة ، فيما هي في تونس خمس سنين ، ويقول إن هذه المدة التي يمضيها الطلبة في المدارس هي أقل ما يتأتي لطالب العلم للحصول على مبتغاه من الملكة العملية ، ويعلل طول المدة في المغرب عنها في البلاد الإسلامية الأخرى ، بسبب صعوبتها ، نتيجة لقلة الجودة في التعليم , وانعدام الطرق الوسائل التعليمية القائمة على أساس صحيح ومفيد ، كما يعزو هذا المؤرخ ، انقطاع سند التعليم في الأمصار العظيمة ، التي هي بغداد والبصرة والكوفة ـ وكانت معادن العلم ـ إلى الخراب الذي شاع فيها , وعدم اتصال العمران الموفور , واتصال السدد فيه.



هذا الخراب الذي تعرض له العراق في الفترات التي يشير إليها (59).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://moha.asianfreeforum.com
 
لمحات تاريخية من الفكر التربوي في مقدمة إبن خلدون ج4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الشنتوف :: المنتديات الثقافية والأدبية :: منتدى التاريخ والحضارة-
انتقل الى: